بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،
اعلم أخي المُوفَّق أننا نمر اليوم بسلسلة من القضايا المهمة، التي
تتصل بمعتقدنا وما ندين الله به، وتمس أمننا واستقرارنا الذي ننعم به، وتقصد وحدة
البيت، أعني البيت الإماراتي الذي نعيش فيه ويرعاه وليّ أمرنا صاحب السمو الشيخ
خليفة بن زايد آل نهيان حفظه الله ووفقه وسدد خطاه، ومن أبرز تلك القضايا ورأس
أمرها مما أخذ المفتونون بترويجه في المجتمعات العربية والخليجية على وجه الخصوص،
وهو التشكيك في الحكومات والدعوة إلى منابذة الحُكام والخروج عليهم، بأساليب
وأشكال ما أنزل الله بها من سلطان، وكان لزامًا على أهل العلم اعتراض تلك الشُّبه
والدعاوى التي أخذوا ينسبونها للإسلام بهتانًا وزورًا، ويلبسونها بلباسه، والإسلام
منها بريء؛ فأردت في هذه العجالة أن أدحض شيئًا من تلك الافتراءات بأقوال أهل
العلم وتقريراتهم الصحيحة الرصينة، المستندة إلى كتاب الله عز وجل وسنة رسوله r،
فأقول وبالله التوفيق:
الاستخلاف مهمة ربانية أوكلها الله لبني آدام في الأرض، حيث ذكره
الله تعالى في قوله سبحانه: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ
فِي الاَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة:29]، والاستخلاف يقتضي أن يكون بينهم من يجتمعون
إليه ويكون عليهم أميرًا وحاكمًا، يتولى شؤون دولتهم، ويرعى مصالحهم، وينظم شؤون حياتهم.
فإنه إن تحقق ذلك على الوجه الأكمل؛ تيسر عليهم أداء حقوق الله عز وجل بقدر ما
استقرت أمورهم وكما يريد الله سبحانه وتعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله: "فالمقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا
خسرانا مبينا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا؛ وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر
دنياهم".
وقال رحمه الله: " يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين؛
بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها".
قال الإمام محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعليقًا على قول ابن
تيمية هذا: "ولهذا ننكر أشد الإنكار على الذين
يدعون إلى منابذة الحكّام وعدم السمع والطاعة لهم، حتى لو كان الأمراء فُسّاقاً أو
لهم معاص عظيمة أو لهم ظلم، فإن طاعتهم واجبة والخضوع لأمرهم واجب، إلا في شيء
واحد، وهو: أن يأمروا بمعصية، فهؤلاء لا سمع لهم ولا طاعة، لكن مهما فسقوا
في أنفسهم وظلموا الخلق، فالواجب طاعتهم والسمع لهم، وعدم منابذتهم؛ لما يترتب
على منابذتهم وعصيانهم والتمرد عليهم من المفاسد العظيمة، فلا بد من أمير ولا بد
من إمرة، ولا بد من اعتقاد إمرته وأنه واجب السمع والطاعة، لا بد من هذا..
ولو كان أمير له إمرة وقوة، لكن يُنابَذ ويُعصَى ويُتَمرد عليه،
فلا فائدة، بل هذا شرّ كبير، ولا يمكن أن تستقيم أحوال الأمة بمثل هذا؛ ولهذا أمر
النبي عليه الصلاة والسلام بالسمع والطاعة للأمراء، وإن ضربوا ظهورنا وأخذوا
أموالنا، وإن لم يعطونا حقنا؛ فإن الواجب علينا أن نعطيهم حقهم ونسأل الله حقنا"ا.هـ.
ويتابع ابن تيمية تقرير أهمية الاجتماع والإمامة فيقول: "فإن
بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند
الاجتماع من رأس، حتى قال النبي r:
(إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) [رواه أبو داود، من حديث أبي سعيد وأبي هريرة].
وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو أن النبي r قال: (لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم) فأوجب r تأمير الواحد في الاجتماع القليل
العارض في السفر، تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع؛ ولأن الله تعالى أوجب
الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة.
وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجُمَع والأعياد
ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة ولهذا رُوي: (أن السلطان ظل الله في الأرض)* ويقال: "ستون سنة من إمام
جائر أصلح من ليلة بلا سلطان" والتجربة تبين ذلك.
ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما يقولون:
"لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للسلطان".
وقال النبي r:
(إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه
ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه
الله أمركم) رواه مسلم. وقال r:
(ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص
العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط بهم من
ورائهم) رواه أهل السنن.
وفي الصحيح عنه أنه قال: (الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة)، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)"اهـ.
قال ابن عثيمين تعليقًا على قول ابن تيمية هذا: "هذا حق الله، وحق المجتمع، وحق الولاة:
حق الله (أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً)؛ وحق المجتمع: (أن تعتصموا بحبل الله
جميعاً ولا تفرقوا)، تمسُّك بالدين، وألا نتفرق، وأن نجتمع ما أمكننا الاجتماع؛
والثالث: حق الولاة: (أن تناصحوا من ولاه الله أمركم).
والمناصحة في كل شيء بحسبه، إما بالقول مشافهة إذا أمكن، وإما بالكتابة، وإما بالوساطة:
يوسطون من يتكلم مع السلطان إذا كانوا لا يستطيعون؛ ومن المناصحة
لهم: تأليف القلوب على وليّ الأمر، وأن يُبتعد عن كل ما يوجب النفرة
عليه، والحقد والعداوة؛ لأنه ليس من النصيحة للإنسان أن تملأ قلوب الناس عليه
حقداً وعداوة، بل أن تملأ القلوب تأليفاً، وأن تعتذر عما يمكن الاعتذار عنه،
وإذا كان شيء لا بد من إدانته، فالمناصحة.
أما ملء القلوب على ولاة الأمور بما هم عليه من الخطأ، فهذا لا
يزيد الأمر إلا شدّة.. ".
أقول: صدق الإمام ابن عثيمين رحمه الله، فليس من النصح للحكام أن تملأ
قلوب الناس عليهم حقدًا وعداوة كما يفعل اليوم رموز وأعلام الإخوان المسلمين ومن
ينتسب لهم ومن يسير على شاكلتهم من أهل البدع، بل إن النصح للحكام يكون بتأليف
القلوب عليهم، والابتعاد عن كل ما يوجب النفرة عليهم والحقد والعداوة.
ثم انظر أخي الموفق إلى تقرير هذين العالمين الجليلين - ابن تيمية
وابن عثيمين -، وصدق نصحهما للأمة بمثل هذا البيان الواضح الناصع لقضايا الإمارة،
وانظر بعده إلى من يشكك في علم هذين العالمين من أصحاب التيارات الفكرية المستوردة
من الغرب والتي أخذت تبث سمومها في أوساطنا؛ فيلمزون ويشككون في هذين العالمين؛
فيسقطون مكانتهما من أعين الناس، فيبتعد الناس عن أهل العلم الراسخ، والعقيدة
الصحيحة السليمة، ثم لا تسأل عن حال الناس بعد ذلك؛ وعمن يأخذون العلم والتوجيه
السليم في الفتن والله المستعان.
هذا ما أردت كتابته نصحا لإخواننا وتوجيها لهم للطريق الصحيح في
التعامل الشرعي مع واقعنا من أحداث وفتن تستعر على غير هدى، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
ــــــــــــــــــــــــــ
* يعني: أن الله يظلل به عن الفتن والشرور.
محبكم
عبد الرحمن الحمادي
غفر الله له ولوالديه وآله
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق