الجمعة، 30 مارس 2012

جباية الزكاة بين ولاية الدولة وبعض التصرفات غير المسؤولة



بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

فهذه مقالة أقدمها بين يديكم أيها الأحبة، أخطها من واقع خوضي غمار العمل على الزكاة في إحدى مؤسسات الدولة - هيئة صندوق الزكاة -، مع ما استفدته من أطروحة الماجستير في جامعة الشارقة والتي هي بعنوان (العاملون على الزكاة دراسة فقهية مقارنة مع نظام المؤسسات الحديثة للزكاة).
أوضح من خلال المقالة منزلة القيام بحق الزكاة، وأنها مسؤولية أصيلة لولي الأمر - الدولة -، وموضحا من خلالها خطورة بعض التصرفات غير المسؤولة التي تجرأت وافتأتت على ولي الأمر في مسؤوليته، وتعدت عليه بجمعها لأموال الزكاة وتوزيعها دون إذنه.

القيام بحق الزكاة مسؤولية ولي الأمر - الدولة -


لقد فرض الله تعالى على أغنياء المسلمين في أموالهم حقاً هو الزكاة، يُصرف على فقرائهم. وقد أوكل سبحانه وتعالى مسؤولية أخذها وجمعها لولي الأمر، قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها..)[الآية 103 من سورة التوبة].
واستناداً إلى هذه الآية قرر الفقهاء أن القيام بحق الزكاة أمانة على عاتق ولي الأمر، قال الإمام الشافعي رحمه الله: "ولا يسع الولاة تركَه لأهل الأموال؛ لأنهم أمناء على أخذه لأهله منهم"[الأم 3/204].
فلا يسع ولاة أمر المسلمين ترك القيام بهذه المسؤولية؛ كما أنه لا يسع أغنياء المسلمين حبس ذلك الحق عن ولاة الأمر أو نوابهم ليصرفوه على مستحقيها من الفقراء وغيرهم. وقد أكد هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال: "ليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال ما لا يستحقونه..، -إلى أن قال:- ولا لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه إليه من الحقوق، وإن كان ظالماً، كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، لمّا ذَكَر جور الولاة، فقال: (أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عمّا استرعاهم)[البخاري 3455، مسلم 4750]"(السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية 90).
وقد ترد هنا شبهة من بعض المضللين بأن هذا خطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا يشمل من جاء بعده من ولاة الأمر! وقد رد على هذه الشبهة الإمام المالكي الفقيه المفسّر أبو بكر ابن العربي رحمه الله في تفسيره عند قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة..) حيث قال: "أما قولهم إن هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فلا يلتحق به غيره؛ فهو كلام جاهل بالقرآن غافل عن مأخذ الشريعة متلاعب بالدين"[جامع الأحكام لابن العربي، في تفسير الآية].
فتبين معنا أيها الأحبة أن جباية الزكاة هي من مسؤولية ولي الأمر - الدولة -، لا يجوز التعدي على هذه المسؤولية؛ فهي حق من حقوقه بنص الآية والحديث.

وربما يتساءل أحدنا؛ ما فائدة تعلق هذه المسؤولية بولي الأمر -الدولة- ولم تُترك لذمم الناس!؟
فيقال: إن من فوائد وحِكَم هذا التشريع العظيم هو ضبط تلك الأموال والتأكد من صرفها في وجوهها المقررة شرعاً، وقطع دابر من تسول له نفسه الخبيثة الأمّارة بالسوء مع وساوس الشيطان بالإفساد في الأرض باستغلال هذا المورد العظيم من موارد الدولة والذي قد يُغفل عنه نظرا لطبيعة هذا المورد - وهو الزكاة -؛ حيث إن الزكاة لها شروط واعتبارات قد تجب وقد لا تجب، ناهيكم عن كون الأموال قد تكون ظاهرة للعيان، وقد تكون خفية باطنة لا يمكن للدولة أن تنتبه إليها.

وعلى هذه المسألة بنى أكثر الفقهاء مسألة وجوب دفع زكاة الأموال الظاهرة إلى الإمام أو من ينيبه؛ معللين ذلك بأمور أهمها:
1- ولي الأمر أو من ينيبه مؤتمن عليها وأعلم بمصارفها بخلاف ما عليه أصحاب الأموال فإنهم لا يعلمون أحكام الزكاة ومصارفها غالباً، والواقع يشهد بذلك، فقد تأسست الهيئات المعنية ووُضعت لها قوانين ونظم ولاوئح تضبط شؤونها، وشُكّلت فيها مجالس ولجان تشرف عليها؛ وكل ذلك لضمان القيام بحق الزكاة على أكمل وجه ممكن.
2- دفع الزكاة إلى ولي الأمر يبرئ ذمة صاحب المال ظاهراً وباطناً، بمعنى أنه يَسقط عنه الفرض ويثبت له الأجر بمجرد الدفع لولي الأمر أو لنائبه، قال الإمام الماوردي رحمه الله: "فإن دَفْعَ الزكاة إلى الوالي أو من ينوبه يُبْرِئ ذمة رب المال مباشرة"[الحاوي الكبير 3/184]، وأما توزيع صاحب المال زكاته مباشرة إلى من يظنه فقيرا أو إلى وسيط غير مرخص من ولي الأمر فإنه لا يمكن الجزم بثبوت الأجر؛ لاحتمال أن تذهب الزكاة لغير مستحق لها.

من يحق له العمل على الزكاة؟


بعد استقراء وتتبع المسألة في كتب أهل العلم المتقدمين – فقهاء ومفسرين – ودراسة أقوالهم، مع الرجوع إلى عدد من البحوث المعاصرة والندوات الفقهية فقد تبين أن العامل على الزكاة هو: (من استعمله ولي الأمر، أو من في حكمه، للقيام بأمور الزكاة، ممن لا غنى عنه فيها).
والمقصود من التعريف: تأكيد أن العامل لا يكون عاملاً على الزكاة إلا إذا كان مأذوناً له من ولي الأمر أو نائبه، وبمعنى آخر: يكون من طرف الدولة ومؤسساتها المرخصة لذلك.
ويؤكد هذا المعنى صراحةً الإمام ابن حزم رحمه الله عندما نقل الإجماع بقوله: "وقد اتفقت الأمة على أنه ليس كل من قال: (أنا عامل) عاملاً..، فكل من عمل من غير أن يوليه الإمام الواجبة طاعته فليس من العاملين عليها"[المحلى، 6/149].

وهذه مسألة غاية في الأهمية؛ والفائدة من الإشارة إليها أن إبراء ذمة صاحب المال ظاهرا وباطنا -كما تقدم- لا يكون إلى بأداء الزكاة للعامل المعيّن من ولي الأمر، وهو الذي يحق له الأخذ من الزكاة مقابل عمله. وفي المقابل؛ لا يُجزم بثبوت الأجر لمن تجاوز ولي الأمر، كما أنه من افتأت على ولي الأمر وتصرف من نفسه تطفلا بجمع الزكاة من أصحابها فإنه لا يعد عاملاً على الزكاة ولا يحق له الأخذ من مصرف العاملين عليها.

وتجدر الإشارة هنا أيضًا إلى بعض التصرفات غير المسؤولة من بعض المنادين بالإصلاح – زعموا - وهم بعيدون كل البعد عنه؛ بحيث يتجرأ الواحد منهم ويفتئت على ولي الأمر في مسؤوليته هذه؛ ويتسلط على أموال الناس باسم الدين وباسم الإصلاح، مع ما قد يصاحب ذلك من الترويج الكاذب والدعاوى المضللة، ولا تدري هل يصدق فيها؛ أم أنها ستذهب لتغذية تحزبات ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تسأل بعد ذلك عن العواقب وما تجُره من ويلات على الدولة وبخس حق مستحقي هذه الزكاة. 

وبهذه المناسبة أوصي أصحاب الأموال بأن لا يتهاونوا في أمر زكاتهم، فليبذلوها مع حرصهم أن تُوجه لمؤسسات الدولة النائبة عن ولي الأمر، فإن ولي الأمر لم يقصر فيما أُوكل إليه شرعاً؛ فتراه قد أسس الهيئات وأوكل إليها مهمة جمع الزكاة وصرفها وفق مصارفها الشرعية.
وأُحذّر إخواني – أصحاب الأموال – من التصرفات غير المسؤولة التي تفتقد الصفة الشرعية لها في العمل على الزكاة، فإنه مع ما نعانيه اليوم من وجود التحزبات القائمة على أفكار وآراء شاذة بل ومنحرفة عن الصراط السوي؛ فإن هؤلاء المنتسبين إليها ولو كان ظاهرهم التدين والصلاح فإن توليهم العمل على الزكاة بدون إذن ولي الأمر يُعد مخالفًا للشرع الحكيم.

والله أسأله سبحانه أن يوفق أصحاب الأموال لإخراج زكاة أموالهم، ويبصرهم بالطريق الصحيح لصرفها وأن يتقبلها منهم، وأن يهدي إخواننا ممن أساء الفهم وافتات على ولي الأمر بتجرؤه على الزكاة فيترك عنه تلك المخالفة الشرعية الصريحة ويتقي الله عز وجل في أموال المسلمين.

والله من وراء القصد
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

محبكم
عبد الرحمن سلمان الحمادي
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين


السبت، 17 مارس 2012

:: زكاة الأسهم ::

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

فهذه فوائد سريعة وموجزة حول زكاة أسهم الشركات المساهمة أقدمها بين يدي إخواني ملاك الأسهم، راجيا من الله العلي القدير أن يوفقهم ﻹخراج زكاتها وإبراء ذمتهم منها.

أَبْرَزُ أحكام الزكاة في الأسهم تُوضِّحها النقطتان الآتيتان:


#1# من ملك الأسهمَ لغرض المتاجرة بها بيعًا وشراءً في السوق فحكمه حكم التاجر؛ متى ما حال على تجارته الحولُ أخرجَ الزكاةَ على القيمة الإجماليةِ للأسهم حسب سعرها في السوق إذا كانت تبلغُ النصابَ.

وإذا كسدت الأسهمُ جميعها أو جزء منها فلم يتمكن من البيع بسبب تدني السعر مثلا أو بسبب إيقاف تداول الأسهم؛ فلا زكاة عليه حينها على الكاسد منها شريطة أن لا يحصل بيعٌ خلال السنة وإلا لم تُعدّ كاسدة. ويصير حكمه في هذه الحالة حكم من ملك أسهمه لغرض الادخار كما سيأتي بيانه في النقطة التالية.


مع التنبيه، أنه عند كساد سوق الأسهم، وإحجام صاحبها عن البيع حتى ينتعش السوق وترتفع الأسعار؛ فإذا منّ الله عليه ببيع الأسهم رجوعًا إلى النية الأولى وهي الاتجار، فإن الزكاة تجب على ثمنها مباشرة فور بيعها، عن سنة واحدة فقط حتى ولو ظل ينتظر لعدة سنوات.



#2# من ملك الزكاةَ لغرض الاستفادة من ربحها السنوي أو لغرض الادخار وكانت الشركة تخرج الزكاة عن أنشطتها، ففي هذه الحالة لا زكاة على المساهمين منعًا من الازدواجية.
أما إذا لم تقم الشركة بإخراج الزكاة فإن الحكم ينتقل إلى المساهمين على النحو الآتي:
إن الزكاة تُحسب على قيمة الموجودات الزكوية في الشركة*، وهي تقوم على حسبة دقيقة للميزانية السنوية للشركة؛ وإذا تعذر الوصول إلى هذه المعلومة وحتى لا تبقى ذمة المساهم مشغولة؛ فإن عليه أن يسلك الطريق الأحوط هنا ويخرج الزكاة على القيمة الدفترية للأسهم** - وهي قيمة السهم بعد خصم التزامات الشركة وقسمة أصولها على عدد الأسهم المُصْدَرة - والتي يتم تحديدها ونشرها في الميزانية السنوية للشركة، وتكون موثقة لدى الجهات المعنية في الأسواق المالية.

آخذين في الاعتبار أنه إذا تم توزيع الأرباح السنوية للأسهم خلال العام فإنه يجب إخراج الزكاة عنها فور استلامها إن كانت الشركة لا تخرج الزكاة عنها؛ حيث جرت عادة التوزيعات أن تتم في نهاية السنة المالية التي تُعدّ هي وقت إخراج الزكاة للشركات***.

أفتت اللجنة الشرعية لصندوق الزكاة أن الزكاة تختلف حسب نشاط الشركة كما يأتي:
١/ أسهم الشركات الخدمية: زكاتها تكون على الأرباح السنوية الموزعة على المساهمين إذا كانت تبلغ النصاب.
٢/ أسهم الشركات التجارية: تعامل معاملة التاجر كما في النقطة الأولى إبراءً لذمة المساهم بدلا من أن تبقى مشغولة بالزكاة.
وهذا الرأي على أن يخرج زكاة الأسهم بناء على القيمة السوقية فيما لو كانت قيمة الأسهم السوقية معتدلة ولم تكن مرتفعة أو منخفضة بشكل غير اعتيادي فحينها - ومن وجهة نظري - ينتقل المساهم لإخراج زكاته على القيمة الدفترية.


وهنا دعوة أوجهها إلى الشركات عمومًا وإلى الشركات المساهمة خصوصًا بأن يتقوا الله عزّ وجلّ في استثماراتهم فيتحروا الحلال وما أكثره، ولا ينسوا حق الله في تجاراتهم، فيلخرجوا الزكاة عنها ويعينوا الشركاء في ذلك لئلا يتحملوا أوزارهم.

كما لا أنس إخواني المسلمين من أصحاب الأسهم، فليتقوا الله فيما وهبهم من أموال، وليحسنوا التصرف فيها وتحري الحلال من التجارات وحسن اختيار الشركات، ولا ينسوا حق الله في أموالهم وليخلصوا لله ويتقوه، " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ".


والله تعالى أعلم

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

محبكم

عبد الرحمن الحمادي

غفر الله له ولوالديه وآله

ـــــــــــــــــــــــ


* معلوم أن الشركات عموما تتكون من أصول ثابتة وأصول متداوَلة. الثابتة مثل المباني والآلات والأجهزة ونحوها التي تستخدم لصالح العمل، والمتداوَلة مثل البضاعة والسلع والأموال ونحوها التي هي محل نشاط الشركة الاستثماري. فالأصل الثابت لا تجب عليه الزكاة بخلاف المتداول فإنه تجب عليه الزكاة.
** وهو ما صدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي برقم (120) 13/3، ونصه:
"إذا كانت الشركات لديها أموال تجب فيها الزكاة كنقود وعروض تجارة وديون مستحقة على المدينين الأملياء ولم تزك أموالها ولم يستطع المساهم أن يعرف من حسابات الشركة ما يخص أسهمه من الموجودات الزكوية فإنه يجب عليه أن يتحرى، ما أمكنه، ويزكي ما يقابل أصل أسهمه من الموجودات الزكوية، وهذا ما لم تكن الشركة في حالة عجز كبير بحيث تستغرق ديونها موجوداتها.
أما إذا كانت الشركات ليس لديها أموال تجب فيها الزكاة، فإنه ينطبق عليها ما جاء في القرار رقم 28 (3 /4) من أنه يزكي الريع فقط، ولا يزكي أصل السهم".
*** في حالة التوزيعات نصف السنوية للأرباح فإن الزكاة في هذه الحال لم تجب بعد لعدم اكتمال الحول، إلا إذا بقيت عند المساهم حتى اكتمل الحول فيزكيها. والله أعلم.

الخميس، 1 مارس 2012

لفتات في الرد على من يدعو لمنابذة الحُكّام والخروج عليهم


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

اعلم أخي المُوفَّق أننا نمر اليوم بسلسلة من القضايا المهمة، التي تتصل بمعتقدنا وما ندين الله به، وتمس أمننا واستقرارنا الذي ننعم به، وتقصد وحدة البيت، أعني البيت الإماراتي الذي نعيش فيه ويرعاه وليّ أمرنا صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان حفظه الله ووفقه وسدد خطاه، ومن أبرز تلك القضايا ورأس أمرها مما أخذ المفتونون بترويجه في المجتمعات العربية والخليجية على وجه الخصوص، وهو التشكيك في الحكومات والدعوة إلى منابذة الحُكام والخروج عليهم، بأساليب وأشكال ما أنزل الله بها من سلطان، وكان لزامًا على أهل العلم اعتراض تلك الشُّبه والدعاوى التي أخذوا ينسبونها للإسلام بهتانًا وزورًا، ويلبسونها بلباسه، والإسلام منها بريء؛ فأردت في هذه العجالة أن أدحض شيئًا من تلك الافتراءات بأقوال أهل العلم وتقريراتهم الصحيحة الرصينة، المستندة إلى كتاب الله عز وجل وسنة رسوله r، فأقول وبالله التوفيق:

الاستخلاف مهمة ربانية أوكلها الله لبني آدام في الأرض، حيث ذكره الله تعالى في قوله سبحانه: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة:29]، والاستخلاف يقتضي أن يكون بينهم من يجتمعون إليه ويكون عليهم أميرًا وحاكمًا، يتولى شؤون دولتهم، ويرعى مصالحهم، وينظم شؤون حياتهم. فإنه إن تحقق ذلك على الوجه الأكمل؛ تيسر عليهم أداء حقوق الله عز وجل بقدر ما استقرت أمورهم وكما يريد الله سبحانه وتعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فالمقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا؛ وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم".
وقال رحمه الله: " يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين؛ بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها".
قال الإمام محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعليقًا على قول ابن تيمية هذا: "ولهذا ننكر أشد الإنكار على الذين يدعون إلى منابذة الحكّام وعدم السمع والطاعة لهم، حتى لو كان الأمراء فُسّاقاً أو لهم معاص عظيمة أو لهم ظلم، فإن طاعتهم واجبة والخضوع لأمرهم واجب، إلا في شيء واحد، وهو: أن يأمروا بمعصية، فهؤلاء لا سمع لهم ولا طاعة، لكن مهما فسقوا في أنفسهم وظلموا الخلق، فالواجب طاعتهم والسمع لهم، وعدم منابذتهم؛ لما يترتب على منابذتهم وعصيانهم والتمرد عليهم من المفاسد العظيمة، فلا بد من أمير ولا بد من إمرة، ولا بد من اعتقاد إمرته وأنه واجب السمع والطاعة، لا بد من هذا..
ولو كان أمير له إمرة وقوة، لكن يُنابَذ ويُعصَى ويُتَمرد عليه، فلا فائدة، بل هذا شرّ كبير، ولا يمكن أن تستقيم أحوال الأمة بمثل هذا؛ ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالسمع والطاعة للأمراء، وإن ضربوا ظهورنا وأخذوا أموالنا، وإن لم يعطونا حقنا؛ فإن الواجب علينا أن نعطيهم حقهم ونسأل الله حقنا"ا.هـ.
ويتابع ابن تيمية تقرير أهمية الاجتماع والإمامة فيقول: "فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي r: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) [رواه أبو داود، من حديث أبي سعيد وأبي هريرة].
 وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو أن النبي r قال: (لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم) فأوجب r تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع؛ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة.
وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجُمَع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة ولهذا رُوي: (أن السلطان ظل الله في الأرض)* ويقال: "ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة بلا سلطان" والتجربة تبين ذلك.
ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما يقولون: "لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للسلطان".
وقال النبي r: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم) رواه مسلم. وقال r: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط بهم من ورائهم) رواه أهل السنن.
وفي الصحيح عنه أنه قال: (الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة)، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)"اهـ.
قال ابن عثيمين تعليقًا على قول ابن تيمية هذا: "هذا حق الله، وحق المجتمع، وحق الولاة: حق الله (أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً)؛ وحق المجتمع: (أن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)، تمسُّك بالدين، وألا نتفرق، وأن نجتمع ما أمكننا الاجتماع؛ والثالث: حق الولاة: (أن تناصحوا من ولاه الله أمركم).
والمناصحة في كل شيء بحسبه، إما بالقول مشافهة إذا أمكن، وإما بالكتابة، وإما بالوساطة: يوسطون من يتكلم مع السلطان إذا كانوا لا يستطيعون؛ ومن المناصحة لهم: تأليف القلوب على وليّ الأمر، وأن يُبتعد عن كل ما يوجب النفرة عليه، والحقد والعداوة؛ لأنه ليس من النصيحة للإنسان أن تملأ قلوب الناس عليه حقداً وعداوة، بل أن تملأ القلوب تأليفاً، وأن تعتذر عما يمكن الاعتذار عنه، وإذا كان شيء لا بد من إدانته، فالمناصحة.
أما ملء القلوب على ولاة الأمور بما هم عليه من الخطأ، فهذا لا يزيد الأمر إلا شدّة.. ".
أقول: صدق الإمام ابن عثيمين رحمه الله، فليس من النصح للحكام أن تملأ قلوب الناس عليهم حقدًا وعداوة كما يفعل اليوم رموز وأعلام الإخوان المسلمين ومن ينتسب لهم ومن يسير على شاكلتهم من أهل البدع، بل إن النصح للحكام يكون بتأليف القلوب عليهم، والابتعاد عن كل ما يوجب النفرة عليهم والحقد والعداوة.
ثم انظر أخي الموفق إلى تقرير هذين العالمين الجليلين - ابن تيمية وابن عثيمين -، وصدق نصحهما للأمة بمثل هذا البيان الواضح الناصع لقضايا الإمارة، وانظر بعده إلى من يشكك في علم هذين العالمين من أصحاب التيارات الفكرية المستوردة من الغرب والتي أخذت تبث سمومها في أوساطنا؛ فيلمزون ويشككون في هذين العالمين؛ فيسقطون مكانتهما من أعين الناس، فيبتعد الناس عن أهل العلم الراسخ، والعقيدة الصحيحة السليمة، ثم لا تسأل عن حال الناس بعد ذلك؛ وعمن يأخذون العلم والتوجيه السليم في الفتن والله المستعان.

هذا ما أردت كتابته نصحا لإخواننا وتوجيها لهم للطريق الصحيح في التعامل الشرعي مع واقعنا من أحداث وفتن تستعر على غير هدى، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
ــــــــــــــــــــــــــ
* يعني: أن الله يظلل به عن الفتن والشرور.

محبكم
عبد الرحمن الحمادي
غفر الله له ولوالديه وآله