السبت، 15 سبتمبر 2012

الحرية المغلوطة


بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد

   فهذه رسالة قصيرة أبعث بها إلى كل من خالطت الشبهات الفكرية قلبه وكدرت صفوها وأثّرت سلبا على نفسه وأسرته وتعدى ذلك إلى مجتمعه، والواقع يشهد بذلك.. 
   رسالة تتعلق ببعض المناهج الفاسدة التي ابتليت به المجتماعات الإسلامية بدسيسة مدروسة ومحنكة من العدو الخارجي الأكبر وهم الكفار المتمثلين في اليهود والنصارى، وإننا لنحزن كل الحزن عندما ندرك أن تلك الدسائس قد أثرت على بعض المسملين وانطلت عليهم فتبنوا تلك الأفكار المسمومة بدعاوى الحقوق والحريات ونبذ الظلم، وغيرها.. وكأن هؤلاء المساكين تناسوا أن الإسلام وقبل أربعمائة وألف عام قد قرر تلك الحريات وحفظها وضمنها للمسلمين ولغير المسلمين..
   وبالنظر في حقيقة الأمر نجد أن أعداء الإسلام بلغ فيهم الحقد والغيظ أن خططوا وعملوا على ضرب الإسلام ومحوه ويأبى الله ذلك فخابوا وخسروا، ولكنهم سلكوا مسلك الغزو الفكري ببث الأفكار المنحرفة التي تمس وتضرب ثوابت الإسلام وأصوله وأساسياته، فصرنا نرى مع الأسف انخداع الكثير من المسلمين بتلك الأفكار الدخيلة تحت لواء الحريات حتى صاروا ينادون بها ويروجونها رغم وضوح زيفها ووضوح بطلانها في شريعة الإسلام؛ لكنها وللأسف وافقت هوى متمكنا في تلك النفوس، ووافق أجندات حزبية مغرّضة تكيد المكائد ضد دول الإسلام الآمنة المستقرة؛ تحيكها وتنخر في داخلها باسم الإصلاح -زعموا- وما دروا أن الإصلاح المشروع هو بناء وليس هدم، وما دروا أن الإصلاح المشروع هو حفظٌ لمكتسبات البلد وليس إفسادًا لها، ولم يعوا أن الإصلاح المشروع إنما هو صيانة لبيضة الإسلام وجماعته وليس تخريبًا. كفى الله المؤمنين شرّ تلك الدعاوى وهدى الله من تلبس بها من المسلمين إلى سواء السبيل، وكفّ الله شرّ أهل الكفر والإلحاد وحفظ لنا الإسلام والمسلمين وديارهم.

   وبعد: فهنا تقرير للحرية المشروعة، التي قررها الإسلام وضمنها، وبالله التوفيق:

الحرية في الإسلام

   ونحن مسلمون ملتزمون به في جميع أمورنا لا بد أن نعي وندرك أنه هو المقياس والضابط في جميع شؤون الحياة، ومن شك في ذلك فقد شك في دينه والعياذ بالله، فإن الدين كامل كما قال سبحانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) [سورة المائدة: 3]، إذا تقرر ذلك فلنعلم جميعا أن الإسلام هو من ضَمن الحرية للعباد، فإذا كانت الحرية مكفولة بالإسلام فلا شك في أنها منضبطة بضوابط الإسلام، فَـ "نَعَم"  للحرية ما لم تخالف نصًّا شرعيًّا، ولم تتصادم مع مقاصد الشريعة، ولم تضرب في قواعد المصالح والمفاسدو "لا" للحرية إذا خالفت نصًّا شرعيًا، وتصادمت مع مقاصد الشريعة وضربت في قواعد المصالح والمفاسد.

   فلا يعني بطبيعة الحال أن الإسلام عندما أقرّ الحريّة وضمنها أنه أطلقها من كل قيد وضابط، لأن الحرية بهذا الشكل ستكون شكلا من أشكال الفوضى وتضارب المصالح وتعارضها؛ وستكون حرية منقادة بزمام هوى النفس وشهواتها. فالإسلام لم يُطلق الحرية بهذى المعنى المذموم، بل أطلقها بضوابط الإسلام وأُسُسِه، فالإسلام نظر إلى الإنسان على أنه مدني بطبعه، يعيش بين كثير من بني جنسه، فلم يقر لأحد بحرية دون آخر، ولكنه أعطى كل واحد منهم حريته كيفما كان، سواء كان فرداً أو جماعة، ولذلك وضع قيوداً ضرورية، تضمن حرية الجميع.

   فالإسلام هو دين الحريّة؛ فلا يُقيد الإنسان إلا لمصلحة أعظم، وذلك إذا تعارضت حرية الإنسان مع عبوديته لله، أو مع حرية الآخرين، أو أضرّت به شخصيّا وبهذه القيود والضوابط ندرك أن الإسلام لم يُقر الحرية لفرد على حساب الجماعة، كما لم يثبتها للجماعة على حساب الفرد، ولكنه وازن بينهما، فأعطى كلاً منهما حقه.
لا أريد أن أطيل في تقرير الحرية في الإسلام والمعنى الذي أريده قد تجلى وظهر بما لا يدع مجالاً للشك فيه، فكل مسلم يقر ويسلم بهذا المعنى الواضح البيّن - على إيجازه -.

   ولو جئنا ننظر إلى واقعنا اليوم مع ما يُشاع وينادى بالحريات والزج بها ضمن دعاوى الإصلاح، نرى بعضًا من صور الحريات المغلوطة التي ارتكبها أدعياء الإصلاح وتتمحور حول ما يأتي:

النقطة الأولى : نقد ولي الأمر ومؤسسات الدولة ورجالاتها بدعوى حرية الرأي:
وإن شئت فقل: التحريض والتأليب بدعوى الإصلاح!

   وهذه نقطة مهمة تغافل عنها كثير من أدعياء الإصلاح اليوم بدعوى حرية الرأي - المغلوطة - مع الأسف، فتراه ترَبَّع منابِرَه الوهمية في مواقع التواصل الاجتماعي أو غيرها وأخذ ينشر ذلك النصح المزعوم بل الإفساد إن صح التعبير، ويغالط نفسه بأن ذلك نصح، ولو وضع نفسه في مقام المنصوح بهذه الطريقة لأدرك هَوْل تلك الجناية والمصيبة وعظمها على نفسه، ولكنه الهوى يعمي ويصم والعياذ بالله.

   فنصيحة ولي الأمر علانية ونقد مؤسسات الدولة ورجالاتها بدعوى الإصلاح شبهة، والرد عليها:

   ما قرره الإسلام أن النصيحة تكون سرّا لولي الأمر، وعدم تجاوز النصيحة وضوابطها؛ إذ أنها تقع بمجرد إيصالها للمنصوح - ونحن نقصد ولي الأمر - أو من ينوبه وإن ذلك يجعلنا ندرك أن مخالفة هذا الأدب الإسلامي وعدم الالتزام بهذا التشريع الإسلامي - كما هو واقع من أدعياء الإصلاح اليوم - يترتب عليه مفسدة عظيمة إن لم تكن مفاسد، أهمها: التشهير بولي الأمر والتقليل من هيبته والسعي لزعزعة أمن جماعة المسلمين وبث الفُرقة والاختلاف ولا تسألوا عن العواقب بعد ذلك..


   فالإسلام قرر مبدأ النصيحة حتى للحاكم المسلم كما جاء عند مسلم من حديث تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الدّينُ النَصيحةُ) قيل لمن يا رسول الله قال: (للّهِ ولِرَسولِهِ ولأئمةِ المُسلمين ولعامّتِهِم). والمتبصر في الحديث يلاحظ أنه صلى الله عليه وسلم خص ولي الأمر وأفرده بالذكر لخاصته ومنزلته وذلك تأكيدٌ لخصوصية هذه الفئة، ومع ذلك فإن النصيحة وضوابطها لم تختلف عن عامة الناس بأن تكون:

1  ( أن يكون النصح سرّا ) 
   حتى لا تنقلب فضيحة وعاراً، وهنا قاعدة عظيمة ننوه عليها، وهي تقوم على أن نعامل المنصوح بمثل ما نحب نحن أن نُعامل، ولا شك أننا نتحرج من النصيحة المعلنة، ومستند هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه) وأنه من لوازم الإيمان أن يُعامِل الإنسان الناس بمثل ما يُحبّ أن يُعامِلوه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحبّ أن يُزحزح عن النار ويُدخل الجنة فلتأته مَنِيَّتُه وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يُحِبّ أن يُؤتَى إليه). كما عند مسلم  وغيره.

2  ( أن يكون النصح محفوفًا بالأدب ومناسبة مقام المنصوح )
   وهذا متقرر في الشريعة في كتب الفقهاء وشراح الأحاديث أن النصيحة لا بد أن تصدرأولا من دافع الإخلاص لله عز وجل وليس بقصد الانتصار للنفس وما تُمليه عليه أهواؤه. وأن تناسب مقام المنصوح؛ فقد يكفي في التعريض والتلميح ما يغني عن التصريح ويكون أبلغ وأوقع وأنفع، وأن تكون بأدب واحترام قدر المنصوح حتى لا يُعان الشيطان عليه ويفتح عليه أبواب العناد والكبر وما إلى ذلك مما ينشأ في نفوس البشر بطبيعتها. 
   والأهم من ذلك كله - وهو من أدب النصح - الدعاء للمنصوح في ظهر الغيب وحب الخير له وهذا يتأكد في حق الحاكم المسلم، قال عبد الله بن المبارك لو علمت أن لي دعوة مستجابة واحدة لجعلتها لأئمة المسلمين لأن بصلاحهم يصلح ناس كثير وبفسادهم يهلك ناس كثير. وهنا نقطة مهمة للناصح ليعلم صدق نفسه في النصيحة؛ فليسأل نفسه هذا السؤال: هل دعا لولي الأمر في ظهر الغيب؟ 
   وتأكيدا لحق وخصوصية الحاكم المسلم أورد لكم الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: (من أراد أن ينصح لذي سلطان في أمر فلا يبده علانية  ولكن ليأخذ بيده فيخلوا به فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه) والحديث صحيح بمجموع طرقه. 
[ إذن النتيجة:
ليس من حق أي أحد كان أن يتجاوز حدود الشرع في أدب النصح بدعوى الحرية.

وليس من حق أي أحد كان أن يتجاوز حدود الشرع في التجرؤ على ولي الأمر والتشهير به بدعوى الحرية ].



النقطة الثانية: حرية المشاركة السياسية.

   تأتي هذه الحرية المغلوطة كغاية مستهدفة ونتيجة مرجوة ممن تلبس لباس الحرية المطلقة والمتجردة عن ضوابط الإسلام وثوابته. وتأتي هذه الحرية مقرونة مع حرية التعبير وحرية الرأي المغلوطة أيضًا والتي أشرنا إليها في النقطة السابقة؛ والتي تُعدّ وسيلة للتوصل إلى حرية المشاركة السياسية.
   ولنا مع هذه الحرية المغلوطة وقفة نوجزها فيما يأتي:

   الحرية المغلوطة هنا وهي المشاركة السياسية تأتي ترجمة لما ينادى به باسم الديمقراطية، وهي باختصار: نظام مخالف للإسلام؛ حيث يَجعل سلطة التشريع للشعب، أو من ينوب عنهم (كأعضاء منتَخبون)، وعليه: فيكون الحكم فيه لغير الله تعالى، بل للشعب، ونوابه. والعبرة ليست بإجماعهم، بل بالأكثرية، ويصبح حينها اتفاق الأغلبية قوانين ملزمة للأمة، ولو كانت مخالفة للفطرة، والدين، والعقل!
   ومخالفة الإسلام لهذه الحرية المغلوطة والحق المزعوم واضحة وضوح الشمس للعيان، وتقرير ذلك:
   أخبر الله تعالى في كتابه أن الحكم له وحده، وأنه أحكم الحاكمين، ونهى أن يُشرك به أحد في حكمه، وأخبر أن لا أحد أحسن منه حكماً. قال الله تعالى: (فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) [سورة غافر،12]، وقال تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [سورة يوسف: 40]، وقال تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) [سورة التين: 8]، وقال تعالى: (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً) [ سورة الكهف: 26]، وقال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [ سورة المائدة: 50].
   فالحكم لله سبحانه وتعالى؛ وهو أعلم حيث يجعل تصريف الأمور بين عباده، فلم يكِل سبحانه وتعالى الناسَ إلى أنفسهم بل شرع لهم أن يتولى أمرهم أُمَرَاء، فكانوا يُسَاسون بهم، وكان السَّاسة على شكلين: أنبياء، أو من دونهم. فإن كان ثَمّة نبي أو رسول كانت السياسة له يصرّفها وفق شرع الله، وإن لم يكن ثَمّة نبيّ أو رسول كانت السياسة فيمن دونهم، فقد تكون السياسة حينها في يد من اجتمع عليه الناس، أو من استخلفه أمير سابق، أو فيمن تغلّب على الناس واستتب أمره. هذه هي السياسة الشرعية التي شرعها الله على عباده، ويشهد بذلك تاريخ الإسلام وإقرار أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا وكفى بذلك دليلا ما صح عن رسولنا صلى الله عليه وسلم حينما قال: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خَلَفه نبي، وإنه لا نبيّ بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون). قالوا فما تأمرنا؟ قال: (فُوا ببيعة الأول فالأول، أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم) صحيح البخاري.

   ومن هنا يتبيّن خطأ من ينادي بحرية المشاركة السياسية، والانجرار وراء الدعاوى الفارغة بتحكيم العامة باسم الديمقراطية - حكم الشعب بالشعب - ولو أن المسلم المنصف اكتفى بنتائج واقع تلك الأنظمة الديمقراطية وما حل بسببها من فساد عظيم وشر مستطير لكفى بعقله المتجرد أن يحكم عليها بالبطلان، فكيف وإن شرع الله عزّ وجلّ قد قرر خلاف ذلك فيما أشرنا إليه قريبًا.


النقطة الثالثة: التعددية السياسية.

   التعددية السياسية تقوم على تداول السلطة بين مختلف الأطراف، وهي فكرة غربية نشأت في أوربا في أعقاب تحررها من الطغيان الكنسي وطغيان الحكم الملكي، فهي في نشأتها قامت نتيجة كل من التعسف والتشدد الذي مارسته السلطة الدينية - ونعني بها التي انحرفت عن شرع الله عزّ وجلّ -، والطغيان والظلم الذي مارسته الأنظمة الملكية في وقتها واستعبدت الناس. فهي في فكرتها جاءت بعد تشدد وظلم فشا في وقتها؛ وهذا ما لا يمكن تصور وقوعه في الدول الإسلامية وحكوماتها القائمة، فهي وإن شابها شيء من النقص في أنظمتها فإن ذلك لا يُلغيها أو يحط من شأنها حتى يُصار إلى إنشاء أحزاب سياسية ! فهذا غلط كبير، ومن أراد الإصلاح فالإصلاح بابه مفتوح، وله طُرُقه وآدابه كما بيّنا شيئًا منه سابقًا، ولا يمكن أن يُعد إلغاء الحكومات القائمة والحط من شأنها، وشق جماعة المسلمين وتفريق كلمتهم... لا يُعد ذلك إصلاحًا.

    وفيما إذا ظهر لنا بطلان التعددية السياسية في عدم وجود الحاجة الشرعية لها، لا سيما مع انعدام السوابق لها في تاريخ الإسلام الذي أُمرنا بالتعبد به، بل إن الإسلام قد شرع في أمور السياسة والحكم ما فيه الغُنية عن استجلاب أنظمة فاسدة ما أنزل الله بها من سلطان. هذا بالإضافة إلى الفشل الذريع الظاهر والبيّن لكل التجارب المعاصرة؛ فإنه بالإضافة إلى ذلك يظهر بطلان التعددية فيما تفضي إليه فيما يأتي:
- ما تتضمنه من عقد الولاء والبراء على ما دون الكتاب والسنة لا سيما إذا وُجدت أنظمة علمانية قائمة على رفض الدّين وعدم الاعتراف به.
- ما تتضمنه من الحرص على الولاية والتنافس في طلبها، وما تعنيه من الخروج على الجماعة ومنازعة الأئمة، وهو مرفوض بنص الشارع الحكيم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) رواه مسلم، وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه) رواه مسلم.

- تحزب الأمة وتشرذمها وتفرق كلمتها.

   ومن هنا يتبيّن غلط من تبنى هذه الفكرة من المسلمين والله المستعان.

   هذا ما وددت تبيينه في هذه المقالة الموجزة، وتحذير الناس من خطر الانجرار وراء ما ينادي به الغرب ويروجونه في أوساط المسلمين باسم الحرية. والله أسألُه سبحانه أن يحفظ لنا ديننا وبلادنا من شرّ الأشرار ومن كيد الكفّار. 

والله من وراء القصد
والحمد لله رب العالمين

محبكم،
عبد الرحمن سلمان الحمادي
أبو ظبي، 28 شوال 1433هـ
الموافق: 15/ سبتمبر 2012م

السبت، 25 أغسطس 2012

ذم الانقياد للهوى في منهج الإصلاح


   الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

   فهذه رسالة لطيفة في ذم الانقياد للهوى في منهج الإصلاح، اعتمدت فيها على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - مع شيء من التوضيح والتعليق، أسأل الله أن ينفع بها.

[ شرع الله يدعو إلى الإصلاح متى كانت المصلحة راجحة ]

   إنّ منهجَ الإصلاحِ الحقّ منهجٌ نبويٌّ ربّانيٌّ؛ لا ينبغي لمن سلكه أن يحيد عنه انقيادًا لهوى في نفسه والعياذ بالله وإلا صار إفساده أعظم مما يرجو من إصلاح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: " وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات أو المستحبّات لا بُدّ أن تكون المصلحةُ فيها راجحة على المفسدة. إذ بهذا بُعثتِ الرُّسُل، ونَزَلت الكُتُب. واللهُ لا يحبُ الفَسَاد، بل كلُّ ما أمَرَ الله به هو صلاح. وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين، والذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذمّ الفساد والمفسدين في غير موضع. فحيث كانت مفسدةُ الأمر والنهي أعظم من مصلحته، لم يكن مما أمر الله به، وإنْ كان قد تُرك واجبٌ وفُعِل مُحَرّم. إذ المؤمنُ عليه أن يتقي الله في عباد الله، وليس عليه هُداهم.."*.
   فعلى المُصلح أن يتجرد لا لنفسه ولا لهواه ولا لحزب ينتمي إليه؛ وإنما عليه أن يتجرد في عملية إصلاحه لله عزّ وجلّ، فيلتزم بالانقياد لنصوص الشرع، فمن التزم بذلك كان مُصْلحًا، وإن لم يلتزم؛ فقدَّم ما تمليه عليه نفسه وهواه وانتماءاته الحزبية كان ما يفسده أكثر مما يصلحه.

[ المُصلِح من لزم منهج الإصلاح الحقّ متجردًا عن الهوى ]

الإصلاح المشروع: التزامٌ بما يمليه الشرع مع التجرد عن الهوى، وإنّ مما يُؤسف له اليوم أن تجد من ينتسب لمنهج الإصلاح - بزعمه -؛ وهو في طريقته يحيد عنه بسبب الهوى - علم أو لم يعلم - وترك ما يقوم عليه المنهج الصحيح من وجوب إخلاص النية مع تمام الانقياد للأوامر الربّانيّة والتوجيهات النبويّة في طريقة الإصلاح. قال ابن تيمية - رحمه الله -: "فإنّ من الناس من يكون حبُّه وبغضُه وإرادتُه وكراهتُه بحسب محبَّتِه نفسَه وبغضِها لا بحسب محبَّةِ اللهِ ورسولِه، وبغضِ اللهِ ورسولِه، وهذا نوعٌ من الهوى، فإن اتبعه الإنسانُ فقد اتبع هواه: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50]، فإنَّ أصلَ الهوى محبةُ النفس، ويتبع ذلك بغضُها.
   والهوى نفسه - وهو الحب والبغض الذي في النفس – لا يُلامُ العبد عليه، فإنّ ذلك قد لا يملكه، وإنّما يُلام على اتّباعه كما قال تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26]. وقال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50]. وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (ثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، وكلمة الحق في الغضب والرضا. وثلاثٌ مهلكات: شحٌ مطاعٌ، وهوًى متبعٌ، وإعجاب المرء بنفسه)والحبُّ والبغض يتبعه ذوقٌ عند وجود المحبوب والمبغَض، ووَجْدٌ وإرادةٌ وغير ذلك، فمن اتّبع ذلك بغير أمر الله ورسوله فهو ممن اتّبع هواه بغير هدًى من الله، بل قد يتمادى  به الأمر إلى أن يتخذ إلهه هواه"**.

اتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات ]

   لا يختلف أحدنا أن المعصية بدافع هوى النفس وشهواتها من أجل حُطام الدنيا ولذّاتها الفانية هي ذنب عظيم لما فيها من انتهاك حُرمات الله عزّ وجلّ. ولكن ما يجب أن يعرفه الجميع أنّ الأعظم من ذلك هو التجرُّؤ على المنهج النبويّ الربّاني باسم الدِّين وباسم الإصلاح وباسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..؛ فالجُرم هنا متعدٍ ويمس الدّين والمعتقد. فتَقَرُّب العبد إلى الله بما لم يشرعه الله أو يشرعه رسوله، بل قد يكون مخالفًا للشرع انقيادًا لهوى في نفسه؛ إنه لخطر عظيم يُدخِل صاحبَه باب البدع والمحدثات في الدّين.
   قال ابن تيمية - رحمه الله -: "واتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات، فإنّ الأولَ حالُ الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين كما قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50] وقال تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ..} إلى أن قال: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الروم: 28، 29] وقال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 119]، وقال الله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77]. وقال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 120]. وقال تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 145]، وقال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49].
   ولهذا كان من خرج عن موجب الكتاب والسنة من المنسوبين إلى العلماء والعبَّاد يُجعل من أهل الأهواء كما كان السلف يسمُّونهم أهل الأهواء. وذلك أن كل من لم يتّبع العلم فقد اتّبع هواه، والعلم بالدين لا يكون إلا بهدى الله الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 119]، وقال في موضع آخر: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50].
   فالواجب على العبد أن ينظر في نفس حبه وبغضه، ومقدار حبه وبغضه: هل هو موافق لأمر الله ورسوله؟ وهو هدى الله الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، بحيث يكون مأمورًا بذلك الحب والبغض، لا يكون متقدمًا فيه بين يدي الله ورسوله؟ فإنه قد قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1].
   ومن أحب أو أبغض قبل أن يأمره الله ورسوله؛ ففيه نوع من التقدم بين يدي الله ورسوله. ومجرد الحب والبغض هو هوًى، لكن المحرَّم منه اتّباع حبه وبغضه بغير هدًى من الله ولهذا قال الله لنبيه داود: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [ص: 26]. فأخبر أن من اتّبع هواه أضلّه ذلك عن سبيل الله وهو هداه الذي بعث به رسوله وهو السبيل إليه"***.

[ الإصلاح منهجٌ توقيفيّ لا يقوم إلا على الإخلاص والمتابعة ]

   الإصلاح منهجٌ توقيفيٌ لا يقوم إلا على الإخلاص لله عزّ وجلّ واتباع طريقة النبيّ صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته، وكل ما خالف ذلك فليس من الإصلاح، بل الإصلاح بريء منه، قال ابن تيمية - رحمه الله -: "وتحقيق ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أوجب الأعمال وأفضلها وأحسنها وقد قال تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7]، وهو كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله: أخلصه وأصوبه. فإن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالصُ أن يكون لله، والصوابُ أن يكون على السُّنّة"***.

   فشرعُ الله عزّ وجلّ لم يدْعُ إلى الإصلاح بوسائلَ مفسدتُها أعظم من مصلحتها؛ ولم يدْعُ إلى الإصلاح بوسائلَ مرفوضةٌ شرعًا وعقلا، فإن ذلك من المَحال. فلم يكن يومًا التجرُّؤ على أصل من أصول الإسلام وهو الأمر بالاجتماع حول الإمام - الحاكم - المسلم؛ بتأجيج العامة وتأليب السفهاء عليهم.. لم يكن ذلك وسيلة من وسائل الإصلاح، بل عدّه الشرع وسيلة من وسائل الإفساد؛ وحذّر منها، وقد تظافرت نصوص الشرع بالأمر بالاجتماع حول الإمام المسلم ونبذ الفرقة والتحزّب؛ ولا ينكر ذلك إلا من خالج هواهُ نيَّته وخالجت نيَّته ما تمليه عليه انتماءاتُه الحزبية. وإنك لَتعجب ممن زعم الإصلاح من دعاة هذا الزمان كيف خالفوا هذا الأصل العظيم، انقيادا لما تمليه عليهم أهواؤهم وانتماﺀاتُهم الحزبية، فتراهم يتطاولون على الحُكام المسلمين، ويتجرؤون عليهم، بالطعن فيهم، وإظهار مثالبهم والتشهير بذلك أمام العامة ويرون أن ذلك وسيلة من وسائل الإصلاح -زعموا- فيفرّقون جماعة المسلمين، ويُضعفون دولة الإسلام، فيقدمونها لقمة سائغة مستساغة للأطماع الخارجية، بل والأدهى من ذلك والأمَرّ أنهم يستَعْدُون المنظمات المشبوهة بمسمى الحقوق والحريات!!نعوذ بالله من الهوى والضلال.

وفي ختام هذه الرسالة الموجزة أسأل الله عزّ وجلّ أن يوفقنا للإخلاص في القول والعمل، وأن يرزقنا اتباع شرعِه الحكيم وسنّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الإصلاح.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله رب العالمين

محبكم،
عبد الرحمن سلمان الحمادي
أبو ظبي، 7 شوال 1433هـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* المرجع: كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بتحقيق د. صلاح الدين المنجد، ط.1 1396هـ-1976م، دار الكتاب الجديد، ص 17.
** نفس المرجع، ص 23، 24.
*** نفس المرجع، ص 24-26.


الجمعة، 22 يونيو 2012

التذكير بالمأثور في أحكام زكاة التُّمور

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
ونحن نعيش هذه الأيام موسمًا ينتظره الناس، الصغير والكبير، والبدويّ والحضريّ، والكل يترقب اكتساء النخيل بأحد اللونين: الأحمر أو الأصفر، فيتنعم بنعمة أنعمها الله علينا جميعًا، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)} [يس: 34 - 35]، إنها لنعمة عظيمة نتنعم بها، فحُق لنا أن نعي واجبنا تجاهها، فنشكر الله عزّ وجلّ عليها، ونؤدي حقه سبحانه فيها، وإنّ من حق الله فيها إخراج زكاتها.
وبهذه المناسبة أُذّكر إخواني في هذه الوقفة اليسيرة مع أحكام زكاة التمور، أخصُّ بها من أنعم الله عليهم فامتلكوا النخيل، سواء كانت في بيوتهم أو في مزارعهم، فأقول وبالله التوفيق:

مشروعية زكاة التُّمور :

الزكاة ركن من أركان الإسلام، وهي قرينة الصلاة في القرآن، فهي من أعظم العبادات في الإسلام بعد الصلاة، والزكاة تجب في عدة أصناف وموارد ثبت وجوبها بأدلة الكتاب والسنة، وإن من أبرز أصنافها الواجبة: زكاة الزروع. قال سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فيما سقت الأنهار والغيم العشر، وفيما سقي بالسَّانية* نصف العُشر) رواه مسلم.
وقد انعقد الإجماع على وجوب الزكاة فيها، ومن تلك الأصناف وأبرزها: التُّمور.

نصاب زكاة التُّمور:

النصاب هنا هو أقل ما تجب فيه الزكاة من التّمر، وقد حدّدت السنة النبويّة نصاب الزروع عمومًا - والتمر منها- كما جاء في الحديث الصحيح: (ليس فيما دون خمسة أوسق** صدقة) والخمسة أوسق هي حجمٌ مقدَّرٌ وليس وزناً، ولكن من باب التيسير وتقريب العبادة على المسلمين فقد قُدِّر حجمها بالوزن؛ فتبلغ الخمسة أوسق بالوزن الحديث: [653] كيلو جراماً، هذا مع مراعاة أن يكون الحجم أو الوزن المقدر على التمر وليس على أصله - وهو الرطب - استنادًا إلى ما وردت به سنة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

وقت وجوب زكاة التّمور:

- زكاة التمر تجب مباشرة عند الحصاد:
لا يراعى الحول في زكاة الزروع، بل يراعى الموسم والمحصول لقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141]، فمتى ما حُصد المحصول وجبت الزكاة فيه، ولا تجب قبل ذلك إلا إذا قطف قبله لمصلحة؛ كأن يبيعه رُطَبًا.
- تقدير الزكاة يكون قبل الحصاد:
رغم أن الزكاة تجب عند الحصاد؛ إلا أنه على صاحب النخل قبل ذلك - عند بدء نضجها وبدو صلاحها - أن يراعي أن الزكاة تكون على جميع الثمر؛ فيحسب حسابه إذا ما تصرف بشيء منه قبل حصاده ويكون ذلك عن طريق الخرص، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبعث من يخرص على الناس نخلهم، أي: ينظر فيما حملته من الثمر – الرُّطَب- فيُقدّر بظنه ورأيه المبني على خبرته: كم ستُنتج النخيل من التمر؛ فيبني عليه كم ستكون زكاتها، ثم يدع النخل لأهلها يتصرفون فيها كيف شاءوا؛ دون أن يمسّوا مقدار الزكاة الذي حدده الخارص.
- هل تقدير الزكاة يكون على جميع ما حملته النخل؟
قرر كثير من أهل العلم أنه يُستثنى من الزكاة ما يستعمله صاحب النخل لنفسه وعياله وجيرانه وضيوفه؛ مستدلين بعموم الآية: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} حيث قالوا: الواجب ما كان وقت الحصاد لا ما قبله. كما استدلوا بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع) [رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي]، وفي حديث آخر: (خففوا على الناس في الخرص..) [ابن عبد البر في التمهيد من حديث جابر]، وكذلك ورد في معناه أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه [عند البيهقي وغيره]، ومع أنه في ثبوت الحديثين والأثر نظر لكنها بمجموعها تشد بعضها بعضاً، كما ذهب إليه النووي وابن الملقن وابن حجر. والعمل على ذلك عند أكثر أهل العلم كما ذكره أبو عيسى الترمذي عند تخريجه للحديث، فهو مشهور مذهب مالك والشافعي وقول أحمد والليث وغيرهم رحمهم الله.


مقدار الواجب في زكاة التّمور:

حددت سنّة النبي صلى الله عليه وسلم قدر الواجب في التّمور إذا كانت تبلغ النصاب، من ذلك حديث مسلم المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فيما سقت الأنهار والغيم العشر، وفيما سقي بالسَّانية نصف العُشر) وفي حديث آخر عند البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: (فيما سقت السماء والأنهار والعيون، أو كان بَعْلاً*** العُشر، وفيما سقي بالسواني، أو النضح: نصف العُشر). ويتبين من الحديثين اختلاف مقدار الواجب في زكاة التّمر بحسب الجهد المبذول في الري على النحو الآتي:
1. في حالة الري دون تكلفة يكون الواجب هو العُشر ( 10 % ).
2. إذا سُقي بآلة وكُلفة ففيه نصف العُشر ( 5 % ).
3. إذا سُقي بهما مناصفة ففيه ثلاثة أرباع العُشر (7.5 % ) كما قرره أهل العلم.
4. إذا سُقي بأحدهما أكثر اعتبر أكثرها فوجبت الزكاة بمقتضاه.
5. إذا جُهل المقدار الذي سُقي به وجب العشر لأنه المتيقن.
وبالاطلاع على حال أكثر مزارع النخيل في واقعنا اليوم، نجد أكثرها إن لم تكن غالبها تقوم على الري بكلفة من صاحبها؛ فينطبق عليها البند الثاني في قدر الواجب وهو نصف العُشُر ( 5 % ).
ومن خلال ما تقدم تتبين حكمة الله عزّ وجلّ وتتجلى في أنه سبحانه خفف الزكاة على المتكلف في ريّها وجعل زكاته على النصف من زكاة من لم يتكلف في زرعه، ومن هنا ننبه على من لديه عُمّالاً وتكاليف تشغيلية للمزرعة فإنه لا يخصمها من عائد محصوله ثم يزكي ما بقي؛ لأنه روعي في القدر الواجب حيث صارت زكاته بقدر نصف العٌشر بدلاً من العُشر، وهذه مسألة يغفل عنها البعض فوجب التنبيه.

مسائل مهمة:

1. إذا تفاوت التمر رداءة وجودة فإن الزكاة تُؤخذ من أوسطه فما فوق، ولا تؤخذ مما دون الوسط. والدليل على ذلك في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267] أي: اقصدوا في نفقتكم الطيب الذي تحبونه لأنفسكم، ولا تيمموا الرديء الذي لا ترغبونه ولا تأخذونه إلا على وجه الإغماض والمسامحة واعلموا أن الله غني عنكم، ونفع صدقاتكم وأعمالكم عائد إليكم.
2. إذا اختلفت أراضي النخيل وتعددت، فإن صاحبها يجمع ما أنتجته جميع أراضيه ويضمها إلى بعض في حساب زكاتها، مع مراعاة أن ما تنتجه النخيل في البيوت والمساكن داخلة في حساب الزكاة طالما كانت تبلغ النصاب لوحدها أو بضمها إلى نخيل صاحبها في مزارعه التي يمتلكها.
3. الأصل أن يُخرج المزارعُ زكاة نخله تمرًا وهذا هو رأي الجمهور استنادًا إلى ما وردت به سُنّة النبي صلى الله عليه وسلم وما جرى عليه العمل بعد ذلك، غير أن مذهب السادة الحنفية يرى جواز إخراج القيمة، وذلك بأن يحسب كمية الواجب من المحصول، ثم يقدر قيمتها بالسوق ويخرجها نقداً. والراجح والله أعلم ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، مع مراعاة أنه إذا لم يجد صاحب الزرع من يأخذ زكاته تمرًا أو تعذر عليه إخراجها تمرًا فلا حرج من إخراج القيمة بدل التمر، والله تعالى أعلم.

هذا ما تيسر تلخيصه في هذه الوقفة السريعة مع زكاة التمور، واللهَ أسأل أن ينفع بها.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

محبكم
عبد الرحمن سلمان الحمّادي
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
في رحاب مكة المكرمة بجوار بيت الله الحرام
عصر يوم الجمعة 3 شعبان 1433هـ الموافق 22/06/2012م


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* السانية: هي ما يُسقى عليه الزرع من بعير وغيره.
** الوسق: هو حِمْلُ البعير، وهو ستون صاعاً بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، والخمسة أوسق ثلاثمائة صاع، وحيث إن الصاع يزن (2.1766 كجم) على رأي الجمهور، فإن زنة الخمسة أوسق بالكيلو جرام تساوي: ( 653 كجم ).
*** البعل: هو الزرع الذي يشرب بعروقه ولا يحتاج إلى ماء.

الجمعة، 30 مارس 2012

جباية الزكاة بين ولاية الدولة وبعض التصرفات غير المسؤولة



بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

فهذه مقالة أقدمها بين يديكم أيها الأحبة، أخطها من واقع خوضي غمار العمل على الزكاة في إحدى مؤسسات الدولة - هيئة صندوق الزكاة -، مع ما استفدته من أطروحة الماجستير في جامعة الشارقة والتي هي بعنوان (العاملون على الزكاة دراسة فقهية مقارنة مع نظام المؤسسات الحديثة للزكاة).
أوضح من خلال المقالة منزلة القيام بحق الزكاة، وأنها مسؤولية أصيلة لولي الأمر - الدولة -، وموضحا من خلالها خطورة بعض التصرفات غير المسؤولة التي تجرأت وافتأتت على ولي الأمر في مسؤوليته، وتعدت عليه بجمعها لأموال الزكاة وتوزيعها دون إذنه.

القيام بحق الزكاة مسؤولية ولي الأمر - الدولة -


لقد فرض الله تعالى على أغنياء المسلمين في أموالهم حقاً هو الزكاة، يُصرف على فقرائهم. وقد أوكل سبحانه وتعالى مسؤولية أخذها وجمعها لولي الأمر، قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها..)[الآية 103 من سورة التوبة].
واستناداً إلى هذه الآية قرر الفقهاء أن القيام بحق الزكاة أمانة على عاتق ولي الأمر، قال الإمام الشافعي رحمه الله: "ولا يسع الولاة تركَه لأهل الأموال؛ لأنهم أمناء على أخذه لأهله منهم"[الأم 3/204].
فلا يسع ولاة أمر المسلمين ترك القيام بهذه المسؤولية؛ كما أنه لا يسع أغنياء المسلمين حبس ذلك الحق عن ولاة الأمر أو نوابهم ليصرفوه على مستحقيها من الفقراء وغيرهم. وقد أكد هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال: "ليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال ما لا يستحقونه..، -إلى أن قال:- ولا لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه إليه من الحقوق، وإن كان ظالماً، كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، لمّا ذَكَر جور الولاة، فقال: (أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عمّا استرعاهم)[البخاري 3455، مسلم 4750]"(السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية 90).
وقد ترد هنا شبهة من بعض المضللين بأن هذا خطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا يشمل من جاء بعده من ولاة الأمر! وقد رد على هذه الشبهة الإمام المالكي الفقيه المفسّر أبو بكر ابن العربي رحمه الله في تفسيره عند قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة..) حيث قال: "أما قولهم إن هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فلا يلتحق به غيره؛ فهو كلام جاهل بالقرآن غافل عن مأخذ الشريعة متلاعب بالدين"[جامع الأحكام لابن العربي، في تفسير الآية].
فتبين معنا أيها الأحبة أن جباية الزكاة هي من مسؤولية ولي الأمر - الدولة -، لا يجوز التعدي على هذه المسؤولية؛ فهي حق من حقوقه بنص الآية والحديث.

وربما يتساءل أحدنا؛ ما فائدة تعلق هذه المسؤولية بولي الأمر -الدولة- ولم تُترك لذمم الناس!؟
فيقال: إن من فوائد وحِكَم هذا التشريع العظيم هو ضبط تلك الأموال والتأكد من صرفها في وجوهها المقررة شرعاً، وقطع دابر من تسول له نفسه الخبيثة الأمّارة بالسوء مع وساوس الشيطان بالإفساد في الأرض باستغلال هذا المورد العظيم من موارد الدولة والذي قد يُغفل عنه نظرا لطبيعة هذا المورد - وهو الزكاة -؛ حيث إن الزكاة لها شروط واعتبارات قد تجب وقد لا تجب، ناهيكم عن كون الأموال قد تكون ظاهرة للعيان، وقد تكون خفية باطنة لا يمكن للدولة أن تنتبه إليها.

وعلى هذه المسألة بنى أكثر الفقهاء مسألة وجوب دفع زكاة الأموال الظاهرة إلى الإمام أو من ينيبه؛ معللين ذلك بأمور أهمها:
1- ولي الأمر أو من ينيبه مؤتمن عليها وأعلم بمصارفها بخلاف ما عليه أصحاب الأموال فإنهم لا يعلمون أحكام الزكاة ومصارفها غالباً، والواقع يشهد بذلك، فقد تأسست الهيئات المعنية ووُضعت لها قوانين ونظم ولاوئح تضبط شؤونها، وشُكّلت فيها مجالس ولجان تشرف عليها؛ وكل ذلك لضمان القيام بحق الزكاة على أكمل وجه ممكن.
2- دفع الزكاة إلى ولي الأمر يبرئ ذمة صاحب المال ظاهراً وباطناً، بمعنى أنه يَسقط عنه الفرض ويثبت له الأجر بمجرد الدفع لولي الأمر أو لنائبه، قال الإمام الماوردي رحمه الله: "فإن دَفْعَ الزكاة إلى الوالي أو من ينوبه يُبْرِئ ذمة رب المال مباشرة"[الحاوي الكبير 3/184]، وأما توزيع صاحب المال زكاته مباشرة إلى من يظنه فقيرا أو إلى وسيط غير مرخص من ولي الأمر فإنه لا يمكن الجزم بثبوت الأجر؛ لاحتمال أن تذهب الزكاة لغير مستحق لها.

من يحق له العمل على الزكاة؟


بعد استقراء وتتبع المسألة في كتب أهل العلم المتقدمين – فقهاء ومفسرين – ودراسة أقوالهم، مع الرجوع إلى عدد من البحوث المعاصرة والندوات الفقهية فقد تبين أن العامل على الزكاة هو: (من استعمله ولي الأمر، أو من في حكمه، للقيام بأمور الزكاة، ممن لا غنى عنه فيها).
والمقصود من التعريف: تأكيد أن العامل لا يكون عاملاً على الزكاة إلا إذا كان مأذوناً له من ولي الأمر أو نائبه، وبمعنى آخر: يكون من طرف الدولة ومؤسساتها المرخصة لذلك.
ويؤكد هذا المعنى صراحةً الإمام ابن حزم رحمه الله عندما نقل الإجماع بقوله: "وقد اتفقت الأمة على أنه ليس كل من قال: (أنا عامل) عاملاً..، فكل من عمل من غير أن يوليه الإمام الواجبة طاعته فليس من العاملين عليها"[المحلى، 6/149].

وهذه مسألة غاية في الأهمية؛ والفائدة من الإشارة إليها أن إبراء ذمة صاحب المال ظاهرا وباطنا -كما تقدم- لا يكون إلى بأداء الزكاة للعامل المعيّن من ولي الأمر، وهو الذي يحق له الأخذ من الزكاة مقابل عمله. وفي المقابل؛ لا يُجزم بثبوت الأجر لمن تجاوز ولي الأمر، كما أنه من افتأت على ولي الأمر وتصرف من نفسه تطفلا بجمع الزكاة من أصحابها فإنه لا يعد عاملاً على الزكاة ولا يحق له الأخذ من مصرف العاملين عليها.

وتجدر الإشارة هنا أيضًا إلى بعض التصرفات غير المسؤولة من بعض المنادين بالإصلاح – زعموا - وهم بعيدون كل البعد عنه؛ بحيث يتجرأ الواحد منهم ويفتئت على ولي الأمر في مسؤوليته هذه؛ ويتسلط على أموال الناس باسم الدين وباسم الإصلاح، مع ما قد يصاحب ذلك من الترويج الكاذب والدعاوى المضللة، ولا تدري هل يصدق فيها؛ أم أنها ستذهب لتغذية تحزبات ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تسأل بعد ذلك عن العواقب وما تجُره من ويلات على الدولة وبخس حق مستحقي هذه الزكاة. 

وبهذه المناسبة أوصي أصحاب الأموال بأن لا يتهاونوا في أمر زكاتهم، فليبذلوها مع حرصهم أن تُوجه لمؤسسات الدولة النائبة عن ولي الأمر، فإن ولي الأمر لم يقصر فيما أُوكل إليه شرعاً؛ فتراه قد أسس الهيئات وأوكل إليها مهمة جمع الزكاة وصرفها وفق مصارفها الشرعية.
وأُحذّر إخواني – أصحاب الأموال – من التصرفات غير المسؤولة التي تفتقد الصفة الشرعية لها في العمل على الزكاة، فإنه مع ما نعانيه اليوم من وجود التحزبات القائمة على أفكار وآراء شاذة بل ومنحرفة عن الصراط السوي؛ فإن هؤلاء المنتسبين إليها ولو كان ظاهرهم التدين والصلاح فإن توليهم العمل على الزكاة بدون إذن ولي الأمر يُعد مخالفًا للشرع الحكيم.

والله أسأله سبحانه أن يوفق أصحاب الأموال لإخراج زكاة أموالهم، ويبصرهم بالطريق الصحيح لصرفها وأن يتقبلها منهم، وأن يهدي إخواننا ممن أساء الفهم وافتات على ولي الأمر بتجرؤه على الزكاة فيترك عنه تلك المخالفة الشرعية الصريحة ويتقي الله عز وجل في أموال المسلمين.

والله من وراء القصد
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

محبكم
عبد الرحمن سلمان الحمادي
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين


السبت، 17 مارس 2012

:: زكاة الأسهم ::

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

فهذه فوائد سريعة وموجزة حول زكاة أسهم الشركات المساهمة أقدمها بين يدي إخواني ملاك الأسهم، راجيا من الله العلي القدير أن يوفقهم ﻹخراج زكاتها وإبراء ذمتهم منها.

أَبْرَزُ أحكام الزكاة في الأسهم تُوضِّحها النقطتان الآتيتان:


#1# من ملك الأسهمَ لغرض المتاجرة بها بيعًا وشراءً في السوق فحكمه حكم التاجر؛ متى ما حال على تجارته الحولُ أخرجَ الزكاةَ على القيمة الإجماليةِ للأسهم حسب سعرها في السوق إذا كانت تبلغُ النصابَ.

وإذا كسدت الأسهمُ جميعها أو جزء منها فلم يتمكن من البيع بسبب تدني السعر مثلا أو بسبب إيقاف تداول الأسهم؛ فلا زكاة عليه حينها على الكاسد منها شريطة أن لا يحصل بيعٌ خلال السنة وإلا لم تُعدّ كاسدة. ويصير حكمه في هذه الحالة حكم من ملك أسهمه لغرض الادخار كما سيأتي بيانه في النقطة التالية.


مع التنبيه، أنه عند كساد سوق الأسهم، وإحجام صاحبها عن البيع حتى ينتعش السوق وترتفع الأسعار؛ فإذا منّ الله عليه ببيع الأسهم رجوعًا إلى النية الأولى وهي الاتجار، فإن الزكاة تجب على ثمنها مباشرة فور بيعها، عن سنة واحدة فقط حتى ولو ظل ينتظر لعدة سنوات.



#2# من ملك الزكاةَ لغرض الاستفادة من ربحها السنوي أو لغرض الادخار وكانت الشركة تخرج الزكاة عن أنشطتها، ففي هذه الحالة لا زكاة على المساهمين منعًا من الازدواجية.
أما إذا لم تقم الشركة بإخراج الزكاة فإن الحكم ينتقل إلى المساهمين على النحو الآتي:
إن الزكاة تُحسب على قيمة الموجودات الزكوية في الشركة*، وهي تقوم على حسبة دقيقة للميزانية السنوية للشركة؛ وإذا تعذر الوصول إلى هذه المعلومة وحتى لا تبقى ذمة المساهم مشغولة؛ فإن عليه أن يسلك الطريق الأحوط هنا ويخرج الزكاة على القيمة الدفترية للأسهم** - وهي قيمة السهم بعد خصم التزامات الشركة وقسمة أصولها على عدد الأسهم المُصْدَرة - والتي يتم تحديدها ونشرها في الميزانية السنوية للشركة، وتكون موثقة لدى الجهات المعنية في الأسواق المالية.

آخذين في الاعتبار أنه إذا تم توزيع الأرباح السنوية للأسهم خلال العام فإنه يجب إخراج الزكاة عنها فور استلامها إن كانت الشركة لا تخرج الزكاة عنها؛ حيث جرت عادة التوزيعات أن تتم في نهاية السنة المالية التي تُعدّ هي وقت إخراج الزكاة للشركات***.

أفتت اللجنة الشرعية لصندوق الزكاة أن الزكاة تختلف حسب نشاط الشركة كما يأتي:
١/ أسهم الشركات الخدمية: زكاتها تكون على الأرباح السنوية الموزعة على المساهمين إذا كانت تبلغ النصاب.
٢/ أسهم الشركات التجارية: تعامل معاملة التاجر كما في النقطة الأولى إبراءً لذمة المساهم بدلا من أن تبقى مشغولة بالزكاة.
وهذا الرأي على أن يخرج زكاة الأسهم بناء على القيمة السوقية فيما لو كانت قيمة الأسهم السوقية معتدلة ولم تكن مرتفعة أو منخفضة بشكل غير اعتيادي فحينها - ومن وجهة نظري - ينتقل المساهم لإخراج زكاته على القيمة الدفترية.


وهنا دعوة أوجهها إلى الشركات عمومًا وإلى الشركات المساهمة خصوصًا بأن يتقوا الله عزّ وجلّ في استثماراتهم فيتحروا الحلال وما أكثره، ولا ينسوا حق الله في تجاراتهم، فيلخرجوا الزكاة عنها ويعينوا الشركاء في ذلك لئلا يتحملوا أوزارهم.

كما لا أنس إخواني المسلمين من أصحاب الأسهم، فليتقوا الله فيما وهبهم من أموال، وليحسنوا التصرف فيها وتحري الحلال من التجارات وحسن اختيار الشركات، ولا ينسوا حق الله في أموالهم وليخلصوا لله ويتقوه، " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ".


والله تعالى أعلم

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

محبكم

عبد الرحمن الحمادي

غفر الله له ولوالديه وآله

ـــــــــــــــــــــــ


* معلوم أن الشركات عموما تتكون من أصول ثابتة وأصول متداوَلة. الثابتة مثل المباني والآلات والأجهزة ونحوها التي تستخدم لصالح العمل، والمتداوَلة مثل البضاعة والسلع والأموال ونحوها التي هي محل نشاط الشركة الاستثماري. فالأصل الثابت لا تجب عليه الزكاة بخلاف المتداول فإنه تجب عليه الزكاة.
** وهو ما صدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي برقم (120) 13/3، ونصه:
"إذا كانت الشركات لديها أموال تجب فيها الزكاة كنقود وعروض تجارة وديون مستحقة على المدينين الأملياء ولم تزك أموالها ولم يستطع المساهم أن يعرف من حسابات الشركة ما يخص أسهمه من الموجودات الزكوية فإنه يجب عليه أن يتحرى، ما أمكنه، ويزكي ما يقابل أصل أسهمه من الموجودات الزكوية، وهذا ما لم تكن الشركة في حالة عجز كبير بحيث تستغرق ديونها موجوداتها.
أما إذا كانت الشركات ليس لديها أموال تجب فيها الزكاة، فإنه ينطبق عليها ما جاء في القرار رقم 28 (3 /4) من أنه يزكي الريع فقط، ولا يزكي أصل السهم".
*** في حالة التوزيعات نصف السنوية للأرباح فإن الزكاة في هذه الحال لم تجب بعد لعدم اكتمال الحول، إلا إذا بقيت عند المساهم حتى اكتمل الحول فيزكيها. والله أعلم.

الخميس، 1 مارس 2012

لفتات في الرد على من يدعو لمنابذة الحُكّام والخروج عليهم


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

اعلم أخي المُوفَّق أننا نمر اليوم بسلسلة من القضايا المهمة، التي تتصل بمعتقدنا وما ندين الله به، وتمس أمننا واستقرارنا الذي ننعم به، وتقصد وحدة البيت، أعني البيت الإماراتي الذي نعيش فيه ويرعاه وليّ أمرنا صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان حفظه الله ووفقه وسدد خطاه، ومن أبرز تلك القضايا ورأس أمرها مما أخذ المفتونون بترويجه في المجتمعات العربية والخليجية على وجه الخصوص، وهو التشكيك في الحكومات والدعوة إلى منابذة الحُكام والخروج عليهم، بأساليب وأشكال ما أنزل الله بها من سلطان، وكان لزامًا على أهل العلم اعتراض تلك الشُّبه والدعاوى التي أخذوا ينسبونها للإسلام بهتانًا وزورًا، ويلبسونها بلباسه، والإسلام منها بريء؛ فأردت في هذه العجالة أن أدحض شيئًا من تلك الافتراءات بأقوال أهل العلم وتقريراتهم الصحيحة الرصينة، المستندة إلى كتاب الله عز وجل وسنة رسوله r، فأقول وبالله التوفيق:

الاستخلاف مهمة ربانية أوكلها الله لبني آدام في الأرض، حيث ذكره الله تعالى في قوله سبحانه: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة:29]، والاستخلاف يقتضي أن يكون بينهم من يجتمعون إليه ويكون عليهم أميرًا وحاكمًا، يتولى شؤون دولتهم، ويرعى مصالحهم، وينظم شؤون حياتهم. فإنه إن تحقق ذلك على الوجه الأكمل؛ تيسر عليهم أداء حقوق الله عز وجل بقدر ما استقرت أمورهم وكما يريد الله سبحانه وتعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فالمقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا؛ وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم".
وقال رحمه الله: " يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين؛ بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها".
قال الإمام محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعليقًا على قول ابن تيمية هذا: "ولهذا ننكر أشد الإنكار على الذين يدعون إلى منابذة الحكّام وعدم السمع والطاعة لهم، حتى لو كان الأمراء فُسّاقاً أو لهم معاص عظيمة أو لهم ظلم، فإن طاعتهم واجبة والخضوع لأمرهم واجب، إلا في شيء واحد، وهو: أن يأمروا بمعصية، فهؤلاء لا سمع لهم ولا طاعة، لكن مهما فسقوا في أنفسهم وظلموا الخلق، فالواجب طاعتهم والسمع لهم، وعدم منابذتهم؛ لما يترتب على منابذتهم وعصيانهم والتمرد عليهم من المفاسد العظيمة، فلا بد من أمير ولا بد من إمرة، ولا بد من اعتقاد إمرته وأنه واجب السمع والطاعة، لا بد من هذا..
ولو كان أمير له إمرة وقوة، لكن يُنابَذ ويُعصَى ويُتَمرد عليه، فلا فائدة، بل هذا شرّ كبير، ولا يمكن أن تستقيم أحوال الأمة بمثل هذا؛ ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالسمع والطاعة للأمراء، وإن ضربوا ظهورنا وأخذوا أموالنا، وإن لم يعطونا حقنا؛ فإن الواجب علينا أن نعطيهم حقهم ونسأل الله حقنا"ا.هـ.
ويتابع ابن تيمية تقرير أهمية الاجتماع والإمامة فيقول: "فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي r: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) [رواه أبو داود، من حديث أبي سعيد وأبي هريرة].
 وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو أن النبي r قال: (لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم) فأوجب r تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع؛ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة.
وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجُمَع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة ولهذا رُوي: (أن السلطان ظل الله في الأرض)* ويقال: "ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة بلا سلطان" والتجربة تبين ذلك.
ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما يقولون: "لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للسلطان".
وقال النبي r: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم) رواه مسلم. وقال r: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط بهم من ورائهم) رواه أهل السنن.
وفي الصحيح عنه أنه قال: (الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة)، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)"اهـ.
قال ابن عثيمين تعليقًا على قول ابن تيمية هذا: "هذا حق الله، وحق المجتمع، وحق الولاة: حق الله (أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً)؛ وحق المجتمع: (أن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)، تمسُّك بالدين، وألا نتفرق، وأن نجتمع ما أمكننا الاجتماع؛ والثالث: حق الولاة: (أن تناصحوا من ولاه الله أمركم).
والمناصحة في كل شيء بحسبه، إما بالقول مشافهة إذا أمكن، وإما بالكتابة، وإما بالوساطة: يوسطون من يتكلم مع السلطان إذا كانوا لا يستطيعون؛ ومن المناصحة لهم: تأليف القلوب على وليّ الأمر، وأن يُبتعد عن كل ما يوجب النفرة عليه، والحقد والعداوة؛ لأنه ليس من النصيحة للإنسان أن تملأ قلوب الناس عليه حقداً وعداوة، بل أن تملأ القلوب تأليفاً، وأن تعتذر عما يمكن الاعتذار عنه، وإذا كان شيء لا بد من إدانته، فالمناصحة.
أما ملء القلوب على ولاة الأمور بما هم عليه من الخطأ، فهذا لا يزيد الأمر إلا شدّة.. ".
أقول: صدق الإمام ابن عثيمين رحمه الله، فليس من النصح للحكام أن تملأ قلوب الناس عليهم حقدًا وعداوة كما يفعل اليوم رموز وأعلام الإخوان المسلمين ومن ينتسب لهم ومن يسير على شاكلتهم من أهل البدع، بل إن النصح للحكام يكون بتأليف القلوب عليهم، والابتعاد عن كل ما يوجب النفرة عليهم والحقد والعداوة.
ثم انظر أخي الموفق إلى تقرير هذين العالمين الجليلين - ابن تيمية وابن عثيمين -، وصدق نصحهما للأمة بمثل هذا البيان الواضح الناصع لقضايا الإمارة، وانظر بعده إلى من يشكك في علم هذين العالمين من أصحاب التيارات الفكرية المستوردة من الغرب والتي أخذت تبث سمومها في أوساطنا؛ فيلمزون ويشككون في هذين العالمين؛ فيسقطون مكانتهما من أعين الناس، فيبتعد الناس عن أهل العلم الراسخ، والعقيدة الصحيحة السليمة، ثم لا تسأل عن حال الناس بعد ذلك؛ وعمن يأخذون العلم والتوجيه السليم في الفتن والله المستعان.

هذا ما أردت كتابته نصحا لإخواننا وتوجيها لهم للطريق الصحيح في التعامل الشرعي مع واقعنا من أحداث وفتن تستعر على غير هدى، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
ــــــــــــــــــــــــــ
* يعني: أن الله يظلل به عن الفتن والشرور.

محبكم
عبد الرحمن الحمادي
غفر الله له ولوالديه وآله




السبت، 28 يناير 2012

اسمع وأطع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله نبينا محمد وعلى آله وصبحه وسلم، وبعد:
في ظل ما نعيشه في زماننا هذا صنوفاً من الفتن والأحداث التي يخاف على نفسه أيُّ مسلم تقي صادق مع ربه؛ لَيحزن عندما يجد إخواناً له ومن بني جلدته قد وقعوا فيها، وليْت الأمر يقف عند حد ذلك الأخ المفتون؛ بل وصل به المقام إلى أن سعى في ترويج الفتنة وإشعالها للأسف! ولو صدق مع نفسه فحّكم عقله الذي وهبه الله عز وجل وأمعن النظر وتدبر وتفكر في آيات الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لوجد الدواء الشافي، بل لوجد ما يقيه الوقوع في الفتن هو وإخوانه ومجتمعه.
ولعلكم أدركتم أيها الأحبة أي فتنة أعني؛ إنها فتنة عظيمة ترتبط بعقيدة المسلم التي إن صفيت وصلحت عصم المسلم نفسه، إنها فتنة الإمامة والإمارة وما يتعلق بها من أحكام. 
ولعلي أكتب ما يوفقني الله فيه مقررا عقيدة المسلم في مسألة الإمارة منطلقاً من صحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقول وبالله التوفيق:
روى الإمام مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر؟
قال: نعم
فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟
قال: نعم، وفيه دخن
قلت: وما دخنه؟
قال: قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر
فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟
قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها.
فقلت: يا رسول الله! صفهم لنا. 
قال: نعم، قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا
قلت: يا رسول الله! فما ترى إن أدركني ذلك؟
قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم
فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟
قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك (*). 

وفي رواية أخرى لمسلم أيضاً من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنْه وفيه أنه قال:
قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟
قال: نعم
قلت: كيف؟
قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس
قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟
قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع

هذا بيان من النبي عليه صلوات ربي وسلامه يبين فيها حال آخر هذه الأمة، وفيها وصية واضحة وصريحة بوجوب ملازمة جماعة المسلمين وإن لم تكتمل سماتهم واستقامتهم على الدين ولا أظن أحداً ينكر هذا المعنى من الحديث إلا من أراد لويه وتأويله عن ظاهره عافانا الله جميعا من ذلك. 
فيوصينا عليه الصلاة والسلام بالسمع والطاعة وإن صدر من الإمام الضرب وأخذ الأموال من الرعية فهل هناك أعظم ظلماً من هذا. .  ومع ذلك فالسمع والطاعة ولزوم الجماعة واجب. 
والنبي عليه الصلاة والسلام يخبر عن حال الأمة في آخرها، بما يعني أن الظلم يعم في وقتها والدين يضعف فلا يأتي آت ويقول، إنه يقصد بالإمام من كمل دينه واستقام!!  فإنه سيناقض نفسه ويتهم صدق النبي صلى الله عليه وسلّم من حيث لا يدري، لأنه عليه الصلاة والسلام أخبر بأنه سيكون هناك أئمة يجتمع الناس حولهم، في زمن يضعف فيه الدين في نفوس الجميع إلا من رحم ربك وذكر من وصفهم: " لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس - ثم قال:  - تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع

ومن ترك الجماعة والإمام مع هذه الحال فحكمه: 
ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضيَ الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية . . ). 
وعن ابن عباس رضيَ الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات، فميتة جاهلية). 
وعن ابن عمر رضيَ الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية). 
فانظروا كيف حكم عليه الصلاة والسلام بأن من مات وليست في رقبته ولاية لإمام مع وجوده - بغض النظر عن صفاته - فإنه يموت ميتة جاهلية نسأل الله العافية. 

أما واجبنا نحن كرعية في هذا الزمن وفي غيره أن نتمسك بوصية النبي صلى الله عليه وسلّم الآتية:
روى الإمام مسلم عن عوف بن مالك رضي الله عنْه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم
قيل: يا رسول الله! أفلا ننابذهم بالسيف؟
فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة - وفي لفظ آخر قال: - ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة)
وفي حديث آخر عند الإمام مسلم أيضاً:
سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله! أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا!
فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس وقال: (اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم).
فعليكم أيها الأحبة أمام الفتن في هذا الزمن وفي غيره لزوم جماعة المسلمين، كل حسب وليّ الأمر الذي يعيش تحت امرته وولايته في أي بلد كان، وعليه بالصبر على الظلم إن حصل، وأن لا ينزع يده من الطاعة، فالأمراء لهم علينا حق الطاعة في المعروف، أما حقنا فعلى الله. 
والمعصية ننكرها لكن بأسلوبها الخاص، ولو لم نستطع فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها ويبقى علينا الكره القلبي. 
أما الحماسة والتسرع في اتخاذ المواقف واصدار الأحكام جزافاً فليس من دين الله في شيء، بل قد تكون مغبة ذلك أعظم على الإسلام والمسلمين، نسأل الله العفو والعافية. 

والله من وراء القصد
والله تعالى أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم

أخوكم المحب
عبد الرحمن الحمادي
غفر الله له ولوالديه

ـــــــــــــــ
(*) هنا تنبيهات مهمة مستفادة من الحديث:
1- ونحن ولله الحمد لم تصل بنا الحاجة إلى الاعتزال والعض على أصل شجرة؛ أنوه للأحبة وأأكد أننا وبفضل الله نستظل تحت ظل جماعة شرعية معتد بها شرعا كما تقرر في المقال، ولو سلمنا بعدم الاعتداد بها فواضح من الحديث أن العمل حينها هو العكس مما انتهجه بعض المفتونين ومدعي الإصلاح من اللجوء إلى التحزب والانتماءات السرية، بل إن التوجيه النبوي الحكيم محصور في اعتزال الفرق والأحزاب إلى درجة أن يصل الحال بنا إلى العض على أصل شجرة، وهذا التشبيه من بديع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وبليغه، ولم يكن هناك خيار آخر سواه. والسؤال الذي يطرح نفسه للمفتونين من إخواننا: أين موقفكم من هذا التوجيه النبوي الحكيم؟!
2- كوننا نأتمر بأمر حاكم ونكون تحت ولايته لا يناقض ولاية سائر الحكام. فلو لم تستطع الأمة أن تجتمع تحت إمرة رجل واحد بحكم الضعف والتشتت فإن ذلك لا يمنع أن نكون تحت ولاية حاكم واحد، كل حسب الدولة التي يعيش فيها. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: إذا أمرتكم بأمر فاأتوا منه ما استطعتم. فلو عشنا الآن هكذا بلا إمارة ولا ولاية بسبب عدم وجود حاكم واحد يصلح لأن نجتمع تحته لن تستقيم لنا دنيا ولا دين، فلأجل هذه الأسباب وغيرها كان من العقل والحكمة أن تعتبر ولايات الحكام سارية ومقبولة شرعا يجب على الرعية طاعة إمامها بالمعروف كل حسب نطاق دولته.
والله أعلم


السبت، 21 يناير 2012

افتتاحية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد

فأحمد ربي عز وجل على نعمة الإسلام، وأحمده سبحانه على نعمة الهداية إلى السنّة، وأحمده جلّ شأنه على جميع النِّعم بعد ذلك، أخص منها أن وفقني لتعلم العلم الشرعي، ولا يسعني سوى أن أدعو بدعاء سيدنا سليمان عليه السلام في قول الله عز وجل: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ).
وإن من واجبي بعد ذلك أن أبرئ ذمتي أمام الله عزّ وجلّ بالعمل بما علمت حتى لا يكون حسرة عليّ يوم الدّين، وتعليمه وتأديته للناس ابتغاء لوجه الله سبحانه. وأجد كما وجد غيري من المخلصين - كما أحسبهم - أن من الوسائل الحديثة لنشر العلم وتعليم الناس مثل هذه المواقع والصفحات الإلكترونية، واحتسبت إلى الله عز وجل بتبني هذه الوسيلة بافتتاح هذه المدونة.
والله سبحانه وتعالى أسألُ أن يوفقني في هذا الطريق. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
الفقير إلى عفو ربه الغفور
أبو زايد عبد الرحمن الحمّادي

الجمعة، 20 يناير 2012

العبادة لابد لها من إخلاص ومتابعة


بسم الله الرحمن الرحيم
العبادة لابد لها من إخلاص ومتابعة
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً به وتوحيداً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه  وعلى آله وسلم تسليماً مزيداً، وبعد..
فالعبادة عمل جليل عظيم، تأخذ عظمتها من عظمة المعبود المخصوص بالعبادة وهو الربّ جلّ شأنه، ولأجلها خلق الله الجنّ والإنس كما قال سبحانه وتعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ)[الذاريات: 56].
وحتى تتجلى لنا العبادة يجب علينا أن نتعرف على معنى العبادة في اللغة، وماذا قال أهل العلم والفقه في الدين في تعريفها وتوضيحها.
فالعبادة في اللغة: الذل، يقال: طريق معبّد: إذا كان مذلّلا قد وطئته الأقدام.
وأما معنى العبادة شرعاً: فقد اختلفت عبارات العلماء في ذلك مع اتفاقهم على المعنى: فعرّفها طائفة منهم بأنها ما أُمر به شرعاً من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي. وعرفها بعضهم بأنها كمال الحب مع كمال الخضوع. وإلى هذا التعريف أشار ابن القيم في نونيته:
وعبادة الرحمن غايةُ حبِّهِ
وعليها فلكُ العبادةِ دائرٌ

مع ذلِّ  عابده  هما  قطبان
ما دار حتى قامت القطبان
وعرفها بعضهم بأنها: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. وهذا التعريف أدق وأشمل؛ فالدين كله داخل في العبادة، ومن عرفها بالحب مع الخضوع؛ فلأن الحب التام مع الذل التام يتضمنان طاعة المحبوب والانقياد له؛ فالعبد هو الذي ذللـه الحب والخضوع لمحبوبه؛ فبحسب محبة العبد لربه وذله له تكون طاعته؛ فمحبة العبد لربه وذله له يتضمنان عبادته له وحده لا شريك له.
فالعبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، وهي تتضمن ثلاثة أركان؛ هي: المحبة، والرجاء، والخوف، ولا بد من اجتماعها، فمن تعلق بواحد منها فقط لم يكن عابداً لله تمام العبادة.
والعبادة هي الغاية المحبوبة لله والمرضية له، وهيكما أسلفنا التي خلق الخلق من أجلها ، كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ)[الذاريات: 56]، وبها أرسل جميع الرسل؛ كما قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)[النحل: 36]، والعبادة لها أنواع كثيرة؛ فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... كل ذلك من العبادة، وكذلك حب الله، وحب رسوله، وخشية الله، والإنابة إليه... كل ذلك من العبادة، وكذلك الذبح والنذر، والاستعاذة، والاستعانة، والاستغاثة...
فيجب صرف العبادة بجميع أنواعها لله وحده لا شريك له، فمن صرف منها شيئاً لغير الله؛ كمن دعا غير الله، أو ذبح أو نذر لغير الله، أو استعان أو استغاث بميت أو غائب، أو بحي حاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ فقد أشرك الشرك الأكبر، وأذنب الذنب الذي لا يُغفر إلا بالتوبة، سواء صرف هذا النوع من العبادة لصنم، أو لشجر أو لحجر أو لنبي من الأنبياء، أو لولي من الأولياء حي أو ميت؛ كما يفعل اليوم عند الأضرحة المبنية على القبور؛ فإن الله لا يرضى أن يشرك معه في عبادته أحد؛ لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا ولي ولا غيرهم؛ قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) [النساء: 116]، وقال تعالى: (فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً) [الجن: 18]، وقال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً)، [النساء:36].
أيها المسلم، إذا تقرر عندك هذا الأصل العظيم، الذي ينبغي على كل مسلم أن يحرص عليه وعلى صيانته من أي خلل يشوب صفاءه، فلننتقل إلى الشرط الآخر الذي يناصف الشرط الأول ويشاركه في أي عبادة كانت، ألا وهو شرط المتابعة، فنقول وبالله التوفيق:
شرط المتابعة أصل من أصول الدين، دل عليه قول النبي r كما في حديث عائشة رضي الله عنها: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). ومعنى الحديث: أن من أوجد شيئاً في ديننا وشريعتنا، مما يُتَعبدُ اللهُ به؛ مما لم يشرعه الله ورسوله فإنه مردود عليه حتى وإن صدر عن إخلاص، وذلك لقول الله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران:85]، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) [الأنعام: 153]، وقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [آل عمران:31].
فيتبين معنا مما سبق أن شرط قبول العمل يتوقف على هذين الأصلين، وقد أوجزهما الفضيل بن عياض رحمه الله عندما سُئل عن قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا) فقال: هو أخلص العمل وأصوبه. قالوا: يا أبا علي! ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل حتى يكون خالصًا وصوابًا، فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السُّنّة. اهـ
هذا ما يسّر الله كتابته بمنه وتوفيقه،
وفي الختام أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد،
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


وكتب : عبد الرحمن الحمّادي