الجمعة، 12 فبراير 2016

عيد الحب في ميزان الشريعة الإسلامية

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد،
فيقول الله عزّ وجلّ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: 3]، فالله عز وجلّ أتمّ لنا الدين، ورضي لنا الإسلام دينًا، فاختاره واصطفاه، ومَنَّ علينا بأفضل الأديان وأشرفها وأكملها. قال الإمام عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: "﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ بتمام النصر، وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة، الأصول والفروع، ولهذا كان الكتاب والسنة كافيين كل الكفاية، في أحكام الدين أصوله وفروعه" انتهى. فكان بهذا البيان الواضح، وهذه الشهادة الربّانية دليلا على استيعاب ديننا الحنيف لجميع ما يحتاجه الإنسان في دينه ودنياه، على تنوع رغباته واحتياجاته روحية كانت أو جسدية.
وقد أمرنا الله عزّ وجلّ أن نصون هذا الدّين في أنفسنا، وأن نحمي جنابه، فنهانا سبحانه عن اتباع الشيطان قال I: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة: 168]، كما نهانا أيضًا عن اتباع الذين كفروا، فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [آل عمران: 149]، بل أمرنا I أن نلجأ إليه سبحانه وأن ندعوه بأن يجنبنا سبيل اليهود والنصارى، وهو ما نقرأه في فاتحة الكتاب وفي كل صلاة قول الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة: 6، 7]، والمغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى، فإنهم مبغضون لنا، حاقدون علينا، حريصون على صدنا عن ديننا، وهو ما يؤكده قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة: 120]. وقد حذرنا عليه الصلاة والسلام من اتباعهم حتى أنه قال في معرض ذمِّ هذا الاتباع: (لتتبعنَّ سُنَّة من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم)، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: (فمن؟). [رواه البخاري ومسلم]. وقد جاء عن النبيّ r أنه قال: (ومن تشبه بقوم فهو منهم) [رواه الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح].
وإذا اتضح لنا مع هذا البيان ما يجب على كل مسلم من الاعتزاز بدينه الإسلامي، والحفاظ عليه من كيد الشيطان وتقليد الكفّار؛ فإنه يجب علينا أن ننتبه لما يحاول أعداؤنا دسّه في أوساطنا ومجتمعاتنا مما يخالف ديننا، من مظاهر وسلوكيات تتعارض مع ديننا الإسلامي، ومن أوضحها ما يسمى بعيد الحب (فالنتاين valentine) الذي يتزامن مع اليوم الرابع عشر من شهر فبراير، ويُعد دخيلا على المجتمع الإسلامي وأخذ يروجه بعض المثقفين في البيئات الإسلامية تقليداً للغرب حتى ذاع صيته – مع الأسف - بين أواسط الشباب عامة والمراهقين منهم خاصة ذكوراً وإناثاً، فهو يدعو في الظاهر إلى المحبة والتواد والإخاء، وأما في باطنه فإنه يدعو إلى الرذيلة والانسلاخ من الفضيلة، يُخرج الفتاة من عفتها وطهارتها وحيائها الذي نشأت عليه في مجتمعها المسلم المحافظ، إلى مستنقع المعصية والبعد عن الله عزّ وجلّ، بل الأدهى من ذلك أنه يدعو إلى الشذوذ بين الجنسين.
ومناقشة هذه القضية من وجهين:
الوجه الأول: إن كان عيدًا - وهو في ظاهره عيد؛ حيث خصص بهذا اليوم من كل عام - فإن الله سبحانه وتعالى قد جعل لأمة محمد r عيدين اثنين لا ثالث لهما، هما عيد الأضحى وعيد الفطر، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قَدِمَ رسول الله r المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما؛ فقال: (ما هذان اليومان؟)، قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله r: (إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يومَ الأضحى ويومَ الفطر) [أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح].
وبالرجوع إلى تاريخ هذا العيد، نجده لا يخرج عن كونه من خصوصيات النصارى، وليس للإسلام والمسلمين فيه حظ ولا نصيب، بل نجده في تاريخ نشأته مرتبطٌ بأحداث وشخصيات كَنَسية، واسم "الفالنتاين" يعود لقدّيس روماني وقع في حبٍّ وعشقٍ غير مشروع، واشتهر أمره حتى انتهى الأمر إلى تعظيم هذا اليوم. فهذه الأحداث وما في معناه مما هو مسطر في تاريخ نشأة هذا العيد لدليل على خصوصيتهم به، وبُعدِه كلَّ البعد عن ديننا الإسلامي.
الوجه الثاني: ما يشتمل عليه عيد الحب من مخالفات شرعية، أهمها:
1. أنّه يدعو إلى اشتغال القلب بالحب الممنوع والذي قد يرتقي إلى العشق، فيُشغل القلب ويُمرضه ولا يزيده إلا وهنًا. وهو شرٌّ وإثمٌ وقد جاءت الشريعة بالنهي عنه، وسدَّت كل ذريعة تؤدي إلى فساد القلوب والعقول، والعشق والحب والتعلق بين الجنسين من أعظم الأدواء وأخطر الآفات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "عشق الأجنبية فيه من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، وهو من الأمراض التي تفسد دين صاحبها، ثم قد تفسد عقله ثم جسمه" انتهى.
ثم إن العشق المحرّم هذا يزاحم حبّ العبد لله عزّ وجلّ وينافي الإخلاص الواجب له I، قال شيخ الإٍسلام ابن تيمية رحمه الله: "إذا كان القلب محبًّا لله وحده مخلصا له الدين، لم يُبتَلَ بحب غيره أصلا، فضلا أن يُبتَلى بالعشق، وحيث ابتُلي بالعشق، فلنقص محبته لله وحده؛ ولهذا لما كان يوسف محبا لله مخلصا له الدين، لم يُبتَلَ بذلك، بل قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصرِفَ عَنهُ السُّوءَ وَالفَحشَاءَ إِنَّهُ مِن عِبَادِنَا المُخلَصِينَ، وأما امرأة العزيز فكانت مشركة هي وقومها، فلهذا ابتليت بالعشق" انتهى.
فإذا عُلمت خطورة هذا الفعل المحرّم ودور الشيطان في غرسه في قلوب العباد حتى سُمي العشق الشيطاني، فإن الواجب على المسلم أن ينجو بنفسه، ويسعى في حمايتها والخلاص بها، فإنه إن قصَّرَ في ذلك، وانساق وراء تلك الأعياد المحرّمة، فهو آثم معاقب على فعله.
2. ومن المخالفات الشرعية فيه ما يتضمنه من شعائر تختص به، سواء كان في المآكل أو المشارب أو الملابس أو غير ذلك مما يُخص به هذا اليوم، وعلى المسلم أن يكون عزيزاً بدينه وألا يكون إمّعة يتبع كل ناعق، فأقل أحوال هذه الأمور المحدثة الإسراف والإنفاق غير المشروع على ما لا طائل تحته، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: 31]، وتزداد حرمته بتقليد من نُهينا عن اتباعهم من اليهود والنصارى بهذا الفعل المحدَث.
3. ومن المخالفات الشرعية في هذا اليوم: التهادي المحرّم، فإنه لا يُراد به وجه الله عزّ وجلّ، وإنما أريد به الحُبّ الممنوع، والأدهى منه ما ينضوي عليه من التشبه بغير المسلمين بهذا الفعل الدخيل. وقد نُهينا عن كل ذلك، فإن العلاقة بين الجنسين لها طريقها المشروع وهو الزواج لمن تأهل له من رجل وامرأة، وما سوى ذلك فإنه ذريعة إلى المحرّم بغير رابطة الزواج عياذًا بالله. ويلحق بهذا الجرم ما هو أشنع منه وهو الشذوذ الجنسي، حيث آل الأمر في هذا اليوم إلى تغذية الشذوذ الجنسي بين الذكور وكذلك بين الإناث، من خلال تبادل الهدايا وكلمات العشق والغرام، ونحو ذلك، وهذا ينافي الفطرة السليمة، ويزيد الأمر سوءًا.
يتضح مما تقدم أن حرمة المشاركة في هذا العيد دائرة بين اتباع الشيطان الرجيم، وبين التشبه بغير المسلمين، وقد أمرنا الله تعالى ورسولُه r كما تقدم بمخالفتهم جميعًا وعدم الانسياق وراءهم، حفظًا لديننا وعقيدتنا، فوجب المصير إلى نبذ هذا الفعل وترك المشاركة فيه بأي وجه من الوجوه.
هذا وليُعلم أن الشهوات محبوبة إلى النفس، وطريق الوصول إليها أسهل من الصبر عليها، فعلى من ابتلي بشيء من ذلك أن يتقي الله عز وجل ويصبر، ولا يتذرع بهذا اليوم الذي زيّنه أهل الباطل فيشاركهم الإثم، ولكن عليه أن يعالج قلبه بالانقطاع عن أثر ذلك المحبوب، وبملء القلب بحب الله سبحانه والاستغناء به، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فأما إذا ابتُلى بالعشق وعفَّ وصبر، فإنه يُثاب على تقواه لله، فمن المعلوم بأدلة الشرع أنه إذا عف عن المحرمات نظرا وقولا وعملا، وكتم ذلك فلم يتكلم به، حتى لا يكون في ذلك كلام محرم، إما شكوى إلى المخلوق، وإما إظهار فاحشة، وإما نوع طلب للمعشوق، وَصَبر على طاعة الله وعن معصيته، وعلى ما في قلبه من ألم العشق، كما يصبر المصاب عن ألم المصيبة، فإن هذا يكون ممن اتقى الله وصبر، ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصبِر فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجرَ المُحسِنِينَ انتهى.
أسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يحفظ أبناءنا وبناتنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأن يحفظ لهم دينهم وإيمانهم، ويرزقهم العفاف.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
والحمد لله رب العالمين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محبكم، عبدالرحمن سلمان الحمادي
04 جمادى الأولى 1437هـ
https://telegram.me/B_3of

الثلاثاء، 3 نوفمبر 2015

( ترك جماعة المسلمين إلى الأحزاب شرٌّ محض )

( ترك جماعة المسلمين إلى الأحزاب شرٌّ محض )
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،
فإنه مما يندى له الجبين ما نراه ممن ينتسب إلى العلم والفقه في الدين؛ فتراه يؤصل قضية التحزب، ويسوِّغ مفارقة جماعة المسلمين إلى فرق وأحزاب ما أنزل الله بها من سلطان، وهذا خطأ وجناية عظيمة على الإسلام والمسلمين؛ كيف لا؟! وقد جاء ذم هذا التحزب والاعتداد به والفرح به في سياق قول الله تعالى: { وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}، قال ابن كثير: "فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء، وهذه الأمة أيضاً اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة، وهم أهل السنّة والجماعة المتمسكون بكتاب اللّه وسنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه".
فإذا علمت أن ترك الجماعة إلى الفِرق والأحزاب مخالف لشرع الله عز وجل، فما هي تلك الجماعة الواجب لزومها؟
يوضح ذلك الجواب رسولنا صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الصحيح الذي يرويه الإمام مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، ومما جاء فيه:
قلت: يا رسول الله! فما ترى إن أدركني ذلك؟
قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم
فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟
قالفاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك).
ونحن ولله الحمد لم تصل بنا الحاجة إلى الاعتزال والعض على أصل شجرة، فبفضل الله نستظل تحت ظل جماعة شرعية معتد بها شرعا، تحت امرة رئيس دولتنا صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان وفقه الله وألبسه لباس الصحة والعافية، وكذلك سائر بلاد المسلمين، كل دولة تمثل جماعة مستقلة من جماعات المسلمين يجتمعون حول إمامهم ورئيس دولتهم.

ولو سلمنا جدلا بعدم الاعتداد بهذه الدول، فإنه واضح من الحديث أن العمل حينها هو العكس مما ذهب إليه دعاة التحزب والانتماءات السرية الذين يسوغون الانفصال عن الجماعة المسلمة الظاهرة إلى أحزاب سرية متخفية، فكان التوجيه النبوي الحكيم على العكس من ذلك؛ فقد جاء باعتزال الفرق وليس اللجوء إليها، بل يبلغ الأمر باعتزال الفرق إلى درجة أن يصل الحال بالمسلم إلى العض على أصل شجرة حتى يدركه الموت وهو على ذلك، وهذا التشبيه من بديع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وبليغه الذي يرشدنا إلى اعتزال الفرق ومن باب أولى تحريم إيجادها والترويج إليها. والسؤال الذي يطرح نفسه لدعاة التحزب: أين موقفكم من هذا التوجيه النبوي الحكيم؟!

أسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يحفظ لنا ديننا ودنيانا، وأمننا واستقرارنا خلف رئيس دولتنا وأن يمن عليه بالعافية. وأن يقينا شرّ الأحزاب ودعاتها.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
والحمد لله رب العالمين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محبكم، عبدالرحمن سلمان الحمادي
21 محرم 1437هـ
https://telegram.me/B_3of

الجمعة، 19 يونيو 2015

المجالس المجتمعية، نظرة ثاقبة من قيادتنا الرشيدة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فمن نعم الله العظيمة على المجتمع المسلم، أن يوفق لولاة أمر صادقين مخلصين، محبين للخير، حريصين على رعيتهم، يهتمون بأمرهم، ويفرحون لفرحهم، لا يدخرون جهدًا في بناء المجتمع وتدعيم أركانه، وحفظ أمنه واستقراره، وهذا ما شهد له الواقع، ولمسته أيدي الناس في هذا البلد من قيادتنا الرشيدة وفقهم الله لكل خير. ومن أبرز ما يترجم ذلك الحرص: حرص قيادتنا الرشيدة في إنشاء ودعم المجالس المجتمعية التي تبنتها في الأحياء السكنية وضواحيها، لتضمن بذلك اجتماع الناس فيها، وما يترتب عليه من بث روح التآلف والمودة، فتجتمع بذلك الكلمة، وتتوحد القلوب، وتتعزز أواصر المجتمع، فيستطيع أن يصمد أمام التحديات العصرية التي تهدده بالتفرق والاختلاف، ولن يستطيع المجتمع أن يواجه هذه التحديات إلا بالاجتماع.
والمتبصر في صنيع ولاة الأمر هذا، يلتمس الأسوة الحسنة التي تأسوا بها وفقهم الله، متمثلة في هدي نبينا محمد ﷺ، الذي أمر بالاجتماع، ونهى عن الفرقة والشقاق، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: (عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة) [رواه الترمذي وغيره]. وفي القرآن كثير من الآيات التي تؤكد على هذا المعنى، منها قوله – تعالى – ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [سورة آل عمران : الآية 103] .
والمعنى من الآية والحديث هو لزوم جماعة المسلمين اعتقادًا وائتمارًا خلف من اجتمع الناس عليه من ولاة الأمر؛ وحينئذ فإنه لا شك أنهما يدعوان إلى تعزيز مظاهر ذلك الاجتماع، والتي منها: حضور الاجتماعات التي يدعو لها ولاة الأمر، وتلبية هذه الرغبة في اجتماع الناس وتآلفهم وتعاضدهم التي دعوا إليها وأعدوا لها، فإن الإعراض عن هذه المجالس رغبة عنها مخالف لهذا التوجيه القرآني والنبوي الكريم، وتعريض للنفس للوقوع في الفُرقة والعُزلة المنهي عنها، ولا ينبغي تزهيد الناس فيها وصرفهم عنها، بل المطلوب منا أن نحرص على إحيائها، والاجتماع فيها، ودعوة أقاربنا وأصدقائنا إليها، فإن ذلك سبيل لتحقيق ذلك المطلوب، وسعي مشكور يحقق رغبة ولاة الأمر في الاجتماع والتآلف.
وقد بيّن النبي ﷺ في الحديث علة الأمر بالاجتماع، والنهي عن الفرقة، فقال: (فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد قال الإمام الصنعاني رحمه الله: ((  فإن الشيطان مع الواحد، يُضِلُّه ويغويه ويَعِدُه ويُمنيه. وهو من الاثنين أبعد، فكيف من كان مع الجماعة )). فالشيطان إذا خلا بالإنسان يوشك أن يوسوس فيه ويوقعه في الفتن، لا سيما في هذا الزمن، حيث كثرت الفتن وتنوعت، فمنها فتن الشهوات، التي يقع بسببها الشباب في المحرمات، كالمخدرات ونحوها من المعاصي، ومنها الفتن التي تشكك في المعتقد الصحيح كما في قضايا السمع والطاعة والاجتماع ونبذ التفرق، وتنفر من ولاة الأمر فيصيروا لقمة سائغة للأفكار الدخيلة والآثمة التي تكفِّر المجتمعات وتستحل دماء المسلمين الآمنين وأموالهم، فكم هي فرصة سانحة لمن يتربص بأمن دولتنا واستقرارها في أن ينفرد بمن ينعزل عن المجتمع فيغذيه بالأفكار الإرهابية المنحرفة؛ وكم أن للاجتماع والتآلف سبيل لقطع دابر هؤلاء المفسدين.

وحيث كان الاجتماع بهذا النفع والمردود الحسن على المجتمع، فإن النبيّ ﷺ قد أكد حتمية هذا الاجتماع بغاية عظيمة وعاقبة حميدة يرجوها كل مسلم، ألا وهي دخول الجنة كما في الحديث المتقدم: (من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة قال الإمام الشوكاني رحمه الله: (( والمراد أن لزوم الجماعة سبب الكون في بحبوحة الجنة لأن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار كما ثبت في الحديث )).

وبعد هذا البيان لمنزلة الاجتماع حول ولاة الأمر، والحرص على تلبية دعوتهم في حضور المجالس المجتمعية، فإني أضع بين يديك أخي المسلم جملة من النصائح والتوجيهات النافعة في مجالها:

1- شكر الله عز وجل على نعمه الكثيرة علينا، التي منها: أن رزقنا ولاة أمر صادقين ناصحين، وشكر الله عز وجل على نعمة الأمن والاستقرار في هذا البلد الطيب، وسؤال الله عز وجل التوفيق والسداد لولاة أمرنا والدعاء لهم بالخير، فالمؤمن يدعو للناس بالخير، وولي الأمر أولى من يُدعى له؛ لأن صلاحه صلاح للأمة، فالدعاء له بالتوفيق والهداية وبصلاح القلب والعمل وصلاح البطانة من أهم المهمات، ومن أفضل القربات، وقد روي عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: (لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان)، ويروى ذلك عن الفضيل بن عياض رحمه الله.
2- لنحتسب الأجر في الاستجابة لدعوة ولاة الأمر في الاجتماع والحرص عليه، والحرص على حث أقاربنا وأصدقائنا لحضور هذه المجالس، لا سيما من وجدنا فيه بعدًا وعزلة عن المجتمع، فإن من وراء ذلك نفعًا عظيمًا، يعود على المسلم وعلى المجتمع في العاجل والآجل.
3- لا نفوت مجالسنا من ذكر الله عزّ وجلّ، وتدارس شيءٍ من أحكام ديننا، والتناصح وفق الضوابط المشروعة، ففي ذلك الأجر العظيم لمن أخلص وعمل بما علم، كما يجب أن نجنب مجالسنا مما يغضب الله عز وجل من اللغو واللغط والغيبة والنميمة، ومن جميع ما يفسد بين الناس ويفرق بينهم.
4- لنحرص على تعمير المجالس بالنافع المفيد، ولنحسن انتقاء المواضيع التي نتناولها في مجالسنا، ولنشارك قيادتنا في معالجة قضايا المجتمع بصدق وإيجابية ونرفع لهم الحلول والاقتراحات المجدية في ذلك.
5- أن نتحلى بآداب المجالس، ومنها: السلام في القدوم والذهاب، والجلوس حيث ينتهي المجلس، وعدم التفريق بين اثنين إلا بإذنهما، وغيرها من الآداب التي قررتها الشريعة الإسلامية.
 هذا ما وددت تذكير إخواني به وحثهم عليه، والله من وراء القصد.

والحمد لله رب العالمين

 محبكم/ عبدالرحمن الحمادي
2 رمضان 1436ه

19/6/2015م

الاثنين، 28 يناير 2013

الزكاة وعلاقتها بالإيمان

بسم الله الرحمن الرحيم

[الزكاة وعلاقتها بالإيمان]

  إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
  أمّا بعد:
  فرغم كون الزكاة ركنًا من أركان الإسلام؛ إلا أن الناس فيها بين جاهلٍ مفتقر إلى شيء من العلم والمعرفة، أو مفرّطٍ متهاونٍ بشأنها وباخلٍ بها؛ إلا من رحم الله نسأل الله العافية.
وقد يكون مرجع ذلك كلّه إلى تقصير المسلم نفسه في الوقوف على منزلة الزكاة وعلاقتها بالإيمان.
  ولعلنا وفي هذه الوقفة الموجزة نبرز منزلة الزكاة وموقعها من إيمان المؤمن من خلال نقطتين بيانهما كما يأتي:

  أولاً: التعريف بالإيمان

  اعلم رحمك الله أن الإيمان كما قرره أهل العلم والعناية بالدين: إخلاص لله بالقلوب وشهادة الألسنة وعمل الجوارح.
واعلم أيضًا، أن أهل السنة قد قرروا أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، كما دلت النصوص الكثيرة على هذا، كما في قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:4]، وقال: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:31]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:124 - 125].
  إذن؛ فالإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
  وهذا الأصل والمعتقد هو ما جرى عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين، إذ كان يقول أحدهم لصاحبه: هلم نزدد إيماناً، ويذكرون الله، ويقرأون القرآن. 
  فإذا أمر الإنسان بالمعروف ونهى عن المنكر، ودعا إلى الله، وقرأ القرآن زاد إيمانه، وإذا غفل أو عصى نقص إيمانه.
  فعقيدة أهل السنة والجماعة تقوم على أن الإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، وأنه يزيد وينقص.

ثانيًا: مكانة الزكاة من الإيمان

  في بيان مكانة أركان الإسلام عمومًا وركن الزكاة خصوصًا وعلاقتها بالإيمان، أُورد إليك كلامًا جميلا للإمام الجليل أبي عبيد القاسم بن سلام – رحمه الله - في كتابه الإيمان حيث قال: 
  "والأصل في ذلك – أي أن: الإيمان يكون بالنية والقول والعمل جميعاً - إتباع ما ابتعث الله عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل به كتابه، فوجدناه قد جعل بدء الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فأقام النبيّصلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة يدعو إلى هذه الشهادة خاصة، وليس الإيمان المفترض على العباد يومئذ سواها، فمن أجاب إليها كان مؤمناً، لا يلزمه اسم في الدين غيره، وليس يجب عليهم صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا غيرِ ذلك من شرائع الدين، وإنما كان هذا تخفيفاً على الناس يومئذ رحمة من الله لعباده ورفقاً بهم؛ لحداثة عهدهم بجاهلية وجفائها، ولو حمّلهم الفرائض كلّها معاً نفرت منه قلوبهم، وثقلت على أبدانهم، فجعل ذلك الإقرارَ بالألسُن وحدها هو الإيمان المفترض على الناس يومئذ، 
فلما أثاب الناس إلى الإسلام وحسنت فيه رغبتهم، زادهم الله في إيمانهم أن فرض عليهم الصلاة، ففعلوا، ووالله لو لم يفعلوا ما نفعهم إيمانهم الأول، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم زادهم الله في إيمانهم بأن صرف الصلاة إلى الكعبة، بعد أن كانت إلى بيت المقدس فقال سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:144]، ثم خاطبهم وهم بالمدينة باسم الإيمان المتقدم لهم، 
فلما نزلت الشرائع بعد هذا وجبت عليهم وجوب الأول سواء، لا فرق بينها، لأنها جميعاً من عند الله وبأمره وبإيجابه، فلو أنهم عند تحويل القبلة إلى الكعبة أبوا أن يصلّوا إليها وتمسكوا بذلك الإيمان الذي لزمهم، والقبلة التي كانوا عليها، لم يكن ذلك مغنياً عنهم شيئاً، ولكان فيه نقض لإقرارهم، لأن الطاعة الأولى ليست بأحق باسم الإيمان من الطاعة الثانية، 
فلما أجابوا الله ورسوله إلى قبول الصلاة كإجابتهم إلى الإقرار، صارا جميعاً معاً هما يومئذ الإيمان، إذ أضيفت الصلاة إلى الإقرار.
والشاهد على أن الصلاة من الإيمان قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم﴾ [البقرة:143] وإنما نزلت في الذين توفوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم على الصلاة إلى بيت المقدس، فسئل رسول اللهصلى الله عليه وسلم عنهم، فنزلت هذه الآية[أخرجه البخاري]. فأي شاهد يُلتمس على أن الصلاة من الإيمان بعد هذه الآية؟ 
  فلبثوا بذلك برهة من دهرهم، فلما أن داروا إلى الصلاة مسارعة، وانشرحت لها صدورهم، أنزل الله فرض الزكاة في إيمانهم إلى ما قبلها، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:83] وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة /103] فلو أنهم تمسكوا بالإيمان السابق وأقاموا الصلاة غير أنهم ممتنعون من الزكاة كان ذلك مزيلاً لما قبله، ناقضاً للإقرار والصلاة كما كان إباء الصلاة قبل ذلك ناقضاً لما تقدم من الإقرار. 
والمصدق لهذا: جهاد أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالمهاجرين والأنصار على منع العرب الزكاة، كجهاد رسول اللهصلى الله عليه وسلم أهل الشرك سواء، لا فرق بينها في سفك الدماء وسبي الذرية واغتنام المال، فإنما كانوا ما نعين لها غير جاحدين بها، ثم كذلك كانت شرائع الإسلام كلها، كلما نزلت شريعة صارت مضافة إلى ما قبلها لاحقةً به، ويشملها جميعاً اسم الإيمان فيقال لأهله مؤمنون" ا.ه ملخصًا.

  أيها المسلم! إذا علمت أن الزكاة من الإيمان تدبر قول الله عزّ وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ . أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [لأنفال:2- 4] فأخبر أن المؤمنين هم الذين جمعوا هذه الأعمال التي بعضها يقع في القلب مثل الخوف من الله والتوكل عليه، وبعضها باللسان مثل ذكره سبحانه، وبعضها بهما وسائر البدن مثل الصلاة التي جمعت بين حضور القلب والذكر وأفعال الصلاة البدنيّة، وبعضها بهما أو بأحدهما وبالمال مثل الزكاة التي جمعت بين حضور القلب بالنيّة وبذل المال، وفيما ذكر الله من هذه الأعمال تنبيه على ما لم يذكره، وفي كل ذلك دلالة على أن هذه الأعمال وما نبه بها عليه من جوامع الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص.
  إذا تقرر هذا الأصل العظيم -أن الزكاة سبب من أسباب زيادة الإيمان- فلنغتنم هذه الفرصة، ونبادر إلى تعلم الزكاة وأحكامها.. 
نتعلم شروط وجوبها.. 
نتعلم ما هي الأموال التي تجب فيها الزكاة..
وما هي المقادير والأنصبة التي تجب فيها الزكاة..
ونتعلم كيف نخرجها، وأين نصرفها..
ثم نبادر إلى إخراج زكاة أموالنا عن طيب نفس، ونعتبرها مغنماً لنا في الدنيا والآخرة، ولا نعتبرها مغرمًا، قال الله تعالى :﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فالمؤمنون يعتبرون الزكاة حين يخرجونها قربات لهم, فيُوفّر لهم الأجر, ويُخلَف عليهم ما أنفقوا بخير منه؛ لنيتهم الحسنة ومقصدهم الأسمى. 
  فاتق الله أيها المسلم، واستشعر هذه المعاني ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

محبكم،
عبد الرحمن سلمان الحمّادي
غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين

السبت، 15 سبتمبر 2012

الحرية المغلوطة


بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد

   فهذه رسالة قصيرة أبعث بها إلى كل من خالطت الشبهات الفكرية قلبه وكدرت صفوها وأثّرت سلبا على نفسه وأسرته وتعدى ذلك إلى مجتمعه، والواقع يشهد بذلك.. 
   رسالة تتعلق ببعض المناهج الفاسدة التي ابتليت به المجتماعات الإسلامية بدسيسة مدروسة ومحنكة من العدو الخارجي الأكبر وهم الكفار المتمثلين في اليهود والنصارى، وإننا لنحزن كل الحزن عندما ندرك أن تلك الدسائس قد أثرت على بعض المسملين وانطلت عليهم فتبنوا تلك الأفكار المسمومة بدعاوى الحقوق والحريات ونبذ الظلم، وغيرها.. وكأن هؤلاء المساكين تناسوا أن الإسلام وقبل أربعمائة وألف عام قد قرر تلك الحريات وحفظها وضمنها للمسلمين ولغير المسلمين..
   وبالنظر في حقيقة الأمر نجد أن أعداء الإسلام بلغ فيهم الحقد والغيظ أن خططوا وعملوا على ضرب الإسلام ومحوه ويأبى الله ذلك فخابوا وخسروا، ولكنهم سلكوا مسلك الغزو الفكري ببث الأفكار المنحرفة التي تمس وتضرب ثوابت الإسلام وأصوله وأساسياته، فصرنا نرى مع الأسف انخداع الكثير من المسلمين بتلك الأفكار الدخيلة تحت لواء الحريات حتى صاروا ينادون بها ويروجونها رغم وضوح زيفها ووضوح بطلانها في شريعة الإسلام؛ لكنها وللأسف وافقت هوى متمكنا في تلك النفوس، ووافق أجندات حزبية مغرّضة تكيد المكائد ضد دول الإسلام الآمنة المستقرة؛ تحيكها وتنخر في داخلها باسم الإصلاح -زعموا- وما دروا أن الإصلاح المشروع هو بناء وليس هدم، وما دروا أن الإصلاح المشروع هو حفظٌ لمكتسبات البلد وليس إفسادًا لها، ولم يعوا أن الإصلاح المشروع إنما هو صيانة لبيضة الإسلام وجماعته وليس تخريبًا. كفى الله المؤمنين شرّ تلك الدعاوى وهدى الله من تلبس بها من المسلمين إلى سواء السبيل، وكفّ الله شرّ أهل الكفر والإلحاد وحفظ لنا الإسلام والمسلمين وديارهم.

   وبعد: فهنا تقرير للحرية المشروعة، التي قررها الإسلام وضمنها، وبالله التوفيق:

الحرية في الإسلام

   ونحن مسلمون ملتزمون به في جميع أمورنا لا بد أن نعي وندرك أنه هو المقياس والضابط في جميع شؤون الحياة، ومن شك في ذلك فقد شك في دينه والعياذ بالله، فإن الدين كامل كما قال سبحانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) [سورة المائدة: 3]، إذا تقرر ذلك فلنعلم جميعا أن الإسلام هو من ضَمن الحرية للعباد، فإذا كانت الحرية مكفولة بالإسلام فلا شك في أنها منضبطة بضوابط الإسلام، فَـ "نَعَم"  للحرية ما لم تخالف نصًّا شرعيًّا، ولم تتصادم مع مقاصد الشريعة، ولم تضرب في قواعد المصالح والمفاسدو "لا" للحرية إذا خالفت نصًّا شرعيًا، وتصادمت مع مقاصد الشريعة وضربت في قواعد المصالح والمفاسد.

   فلا يعني بطبيعة الحال أن الإسلام عندما أقرّ الحريّة وضمنها أنه أطلقها من كل قيد وضابط، لأن الحرية بهذا الشكل ستكون شكلا من أشكال الفوضى وتضارب المصالح وتعارضها؛ وستكون حرية منقادة بزمام هوى النفس وشهواتها. فالإسلام لم يُطلق الحرية بهذى المعنى المذموم، بل أطلقها بضوابط الإسلام وأُسُسِه، فالإسلام نظر إلى الإنسان على أنه مدني بطبعه، يعيش بين كثير من بني جنسه، فلم يقر لأحد بحرية دون آخر، ولكنه أعطى كل واحد منهم حريته كيفما كان، سواء كان فرداً أو جماعة، ولذلك وضع قيوداً ضرورية، تضمن حرية الجميع.

   فالإسلام هو دين الحريّة؛ فلا يُقيد الإنسان إلا لمصلحة أعظم، وذلك إذا تعارضت حرية الإنسان مع عبوديته لله، أو مع حرية الآخرين، أو أضرّت به شخصيّا وبهذه القيود والضوابط ندرك أن الإسلام لم يُقر الحرية لفرد على حساب الجماعة، كما لم يثبتها للجماعة على حساب الفرد، ولكنه وازن بينهما، فأعطى كلاً منهما حقه.
لا أريد أن أطيل في تقرير الحرية في الإسلام والمعنى الذي أريده قد تجلى وظهر بما لا يدع مجالاً للشك فيه، فكل مسلم يقر ويسلم بهذا المعنى الواضح البيّن - على إيجازه -.

   ولو جئنا ننظر إلى واقعنا اليوم مع ما يُشاع وينادى بالحريات والزج بها ضمن دعاوى الإصلاح، نرى بعضًا من صور الحريات المغلوطة التي ارتكبها أدعياء الإصلاح وتتمحور حول ما يأتي:

النقطة الأولى : نقد ولي الأمر ومؤسسات الدولة ورجالاتها بدعوى حرية الرأي:
وإن شئت فقل: التحريض والتأليب بدعوى الإصلاح!

   وهذه نقطة مهمة تغافل عنها كثير من أدعياء الإصلاح اليوم بدعوى حرية الرأي - المغلوطة - مع الأسف، فتراه ترَبَّع منابِرَه الوهمية في مواقع التواصل الاجتماعي أو غيرها وأخذ ينشر ذلك النصح المزعوم بل الإفساد إن صح التعبير، ويغالط نفسه بأن ذلك نصح، ولو وضع نفسه في مقام المنصوح بهذه الطريقة لأدرك هَوْل تلك الجناية والمصيبة وعظمها على نفسه، ولكنه الهوى يعمي ويصم والعياذ بالله.

   فنصيحة ولي الأمر علانية ونقد مؤسسات الدولة ورجالاتها بدعوى الإصلاح شبهة، والرد عليها:

   ما قرره الإسلام أن النصيحة تكون سرّا لولي الأمر، وعدم تجاوز النصيحة وضوابطها؛ إذ أنها تقع بمجرد إيصالها للمنصوح - ونحن نقصد ولي الأمر - أو من ينوبه وإن ذلك يجعلنا ندرك أن مخالفة هذا الأدب الإسلامي وعدم الالتزام بهذا التشريع الإسلامي - كما هو واقع من أدعياء الإصلاح اليوم - يترتب عليه مفسدة عظيمة إن لم تكن مفاسد، أهمها: التشهير بولي الأمر والتقليل من هيبته والسعي لزعزعة أمن جماعة المسلمين وبث الفُرقة والاختلاف ولا تسألوا عن العواقب بعد ذلك..


   فالإسلام قرر مبدأ النصيحة حتى للحاكم المسلم كما جاء عند مسلم من حديث تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الدّينُ النَصيحةُ) قيل لمن يا رسول الله قال: (للّهِ ولِرَسولِهِ ولأئمةِ المُسلمين ولعامّتِهِم). والمتبصر في الحديث يلاحظ أنه صلى الله عليه وسلم خص ولي الأمر وأفرده بالذكر لخاصته ومنزلته وذلك تأكيدٌ لخصوصية هذه الفئة، ومع ذلك فإن النصيحة وضوابطها لم تختلف عن عامة الناس بأن تكون:

1  ( أن يكون النصح سرّا ) 
   حتى لا تنقلب فضيحة وعاراً، وهنا قاعدة عظيمة ننوه عليها، وهي تقوم على أن نعامل المنصوح بمثل ما نحب نحن أن نُعامل، ولا شك أننا نتحرج من النصيحة المعلنة، ومستند هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه) وأنه من لوازم الإيمان أن يُعامِل الإنسان الناس بمثل ما يُحبّ أن يُعامِلوه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحبّ أن يُزحزح عن النار ويُدخل الجنة فلتأته مَنِيَّتُه وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يُحِبّ أن يُؤتَى إليه). كما عند مسلم  وغيره.

2  ( أن يكون النصح محفوفًا بالأدب ومناسبة مقام المنصوح )
   وهذا متقرر في الشريعة في كتب الفقهاء وشراح الأحاديث أن النصيحة لا بد أن تصدرأولا من دافع الإخلاص لله عز وجل وليس بقصد الانتصار للنفس وما تُمليه عليه أهواؤه. وأن تناسب مقام المنصوح؛ فقد يكفي في التعريض والتلميح ما يغني عن التصريح ويكون أبلغ وأوقع وأنفع، وأن تكون بأدب واحترام قدر المنصوح حتى لا يُعان الشيطان عليه ويفتح عليه أبواب العناد والكبر وما إلى ذلك مما ينشأ في نفوس البشر بطبيعتها. 
   والأهم من ذلك كله - وهو من أدب النصح - الدعاء للمنصوح في ظهر الغيب وحب الخير له وهذا يتأكد في حق الحاكم المسلم، قال عبد الله بن المبارك لو علمت أن لي دعوة مستجابة واحدة لجعلتها لأئمة المسلمين لأن بصلاحهم يصلح ناس كثير وبفسادهم يهلك ناس كثير. وهنا نقطة مهمة للناصح ليعلم صدق نفسه في النصيحة؛ فليسأل نفسه هذا السؤال: هل دعا لولي الأمر في ظهر الغيب؟ 
   وتأكيدا لحق وخصوصية الحاكم المسلم أورد لكم الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: (من أراد أن ينصح لذي سلطان في أمر فلا يبده علانية  ولكن ليأخذ بيده فيخلوا به فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه) والحديث صحيح بمجموع طرقه. 
[ إذن النتيجة:
ليس من حق أي أحد كان أن يتجاوز حدود الشرع في أدب النصح بدعوى الحرية.

وليس من حق أي أحد كان أن يتجاوز حدود الشرع في التجرؤ على ولي الأمر والتشهير به بدعوى الحرية ].



النقطة الثانية: حرية المشاركة السياسية.

   تأتي هذه الحرية المغلوطة كغاية مستهدفة ونتيجة مرجوة ممن تلبس لباس الحرية المطلقة والمتجردة عن ضوابط الإسلام وثوابته. وتأتي هذه الحرية مقرونة مع حرية التعبير وحرية الرأي المغلوطة أيضًا والتي أشرنا إليها في النقطة السابقة؛ والتي تُعدّ وسيلة للتوصل إلى حرية المشاركة السياسية.
   ولنا مع هذه الحرية المغلوطة وقفة نوجزها فيما يأتي:

   الحرية المغلوطة هنا وهي المشاركة السياسية تأتي ترجمة لما ينادى به باسم الديمقراطية، وهي باختصار: نظام مخالف للإسلام؛ حيث يَجعل سلطة التشريع للشعب، أو من ينوب عنهم (كأعضاء منتَخبون)، وعليه: فيكون الحكم فيه لغير الله تعالى، بل للشعب، ونوابه. والعبرة ليست بإجماعهم، بل بالأكثرية، ويصبح حينها اتفاق الأغلبية قوانين ملزمة للأمة، ولو كانت مخالفة للفطرة، والدين، والعقل!
   ومخالفة الإسلام لهذه الحرية المغلوطة والحق المزعوم واضحة وضوح الشمس للعيان، وتقرير ذلك:
   أخبر الله تعالى في كتابه أن الحكم له وحده، وأنه أحكم الحاكمين، ونهى أن يُشرك به أحد في حكمه، وأخبر أن لا أحد أحسن منه حكماً. قال الله تعالى: (فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) [سورة غافر،12]، وقال تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [سورة يوسف: 40]، وقال تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) [سورة التين: 8]، وقال تعالى: (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً) [ سورة الكهف: 26]، وقال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [ سورة المائدة: 50].
   فالحكم لله سبحانه وتعالى؛ وهو أعلم حيث يجعل تصريف الأمور بين عباده، فلم يكِل سبحانه وتعالى الناسَ إلى أنفسهم بل شرع لهم أن يتولى أمرهم أُمَرَاء، فكانوا يُسَاسون بهم، وكان السَّاسة على شكلين: أنبياء، أو من دونهم. فإن كان ثَمّة نبي أو رسول كانت السياسة له يصرّفها وفق شرع الله، وإن لم يكن ثَمّة نبيّ أو رسول كانت السياسة فيمن دونهم، فقد تكون السياسة حينها في يد من اجتمع عليه الناس، أو من استخلفه أمير سابق، أو فيمن تغلّب على الناس واستتب أمره. هذه هي السياسة الشرعية التي شرعها الله على عباده، ويشهد بذلك تاريخ الإسلام وإقرار أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا وكفى بذلك دليلا ما صح عن رسولنا صلى الله عليه وسلم حينما قال: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خَلَفه نبي، وإنه لا نبيّ بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون). قالوا فما تأمرنا؟ قال: (فُوا ببيعة الأول فالأول، أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم) صحيح البخاري.

   ومن هنا يتبيّن خطأ من ينادي بحرية المشاركة السياسية، والانجرار وراء الدعاوى الفارغة بتحكيم العامة باسم الديمقراطية - حكم الشعب بالشعب - ولو أن المسلم المنصف اكتفى بنتائج واقع تلك الأنظمة الديمقراطية وما حل بسببها من فساد عظيم وشر مستطير لكفى بعقله المتجرد أن يحكم عليها بالبطلان، فكيف وإن شرع الله عزّ وجلّ قد قرر خلاف ذلك فيما أشرنا إليه قريبًا.


النقطة الثالثة: التعددية السياسية.

   التعددية السياسية تقوم على تداول السلطة بين مختلف الأطراف، وهي فكرة غربية نشأت في أوربا في أعقاب تحررها من الطغيان الكنسي وطغيان الحكم الملكي، فهي في نشأتها قامت نتيجة كل من التعسف والتشدد الذي مارسته السلطة الدينية - ونعني بها التي انحرفت عن شرع الله عزّ وجلّ -، والطغيان والظلم الذي مارسته الأنظمة الملكية في وقتها واستعبدت الناس. فهي في فكرتها جاءت بعد تشدد وظلم فشا في وقتها؛ وهذا ما لا يمكن تصور وقوعه في الدول الإسلامية وحكوماتها القائمة، فهي وإن شابها شيء من النقص في أنظمتها فإن ذلك لا يُلغيها أو يحط من شأنها حتى يُصار إلى إنشاء أحزاب سياسية ! فهذا غلط كبير، ومن أراد الإصلاح فالإصلاح بابه مفتوح، وله طُرُقه وآدابه كما بيّنا شيئًا منه سابقًا، ولا يمكن أن يُعد إلغاء الحكومات القائمة والحط من شأنها، وشق جماعة المسلمين وتفريق كلمتهم... لا يُعد ذلك إصلاحًا.

    وفيما إذا ظهر لنا بطلان التعددية السياسية في عدم وجود الحاجة الشرعية لها، لا سيما مع انعدام السوابق لها في تاريخ الإسلام الذي أُمرنا بالتعبد به، بل إن الإسلام قد شرع في أمور السياسة والحكم ما فيه الغُنية عن استجلاب أنظمة فاسدة ما أنزل الله بها من سلطان. هذا بالإضافة إلى الفشل الذريع الظاهر والبيّن لكل التجارب المعاصرة؛ فإنه بالإضافة إلى ذلك يظهر بطلان التعددية فيما تفضي إليه فيما يأتي:
- ما تتضمنه من عقد الولاء والبراء على ما دون الكتاب والسنة لا سيما إذا وُجدت أنظمة علمانية قائمة على رفض الدّين وعدم الاعتراف به.
- ما تتضمنه من الحرص على الولاية والتنافس في طلبها، وما تعنيه من الخروج على الجماعة ومنازعة الأئمة، وهو مرفوض بنص الشارع الحكيم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) رواه مسلم، وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه) رواه مسلم.

- تحزب الأمة وتشرذمها وتفرق كلمتها.

   ومن هنا يتبيّن غلط من تبنى هذه الفكرة من المسلمين والله المستعان.

   هذا ما وددت تبيينه في هذه المقالة الموجزة، وتحذير الناس من خطر الانجرار وراء ما ينادي به الغرب ويروجونه في أوساط المسلمين باسم الحرية. والله أسألُه سبحانه أن يحفظ لنا ديننا وبلادنا من شرّ الأشرار ومن كيد الكفّار. 

والله من وراء القصد
والحمد لله رب العالمين

محبكم،
عبد الرحمن سلمان الحمادي
أبو ظبي، 28 شوال 1433هـ
الموافق: 15/ سبتمبر 2012م

السبت، 25 أغسطس 2012

ذم الانقياد للهوى في منهج الإصلاح


   الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

   فهذه رسالة لطيفة في ذم الانقياد للهوى في منهج الإصلاح، اعتمدت فيها على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - مع شيء من التوضيح والتعليق، أسأل الله أن ينفع بها.

[ شرع الله يدعو إلى الإصلاح متى كانت المصلحة راجحة ]

   إنّ منهجَ الإصلاحِ الحقّ منهجٌ نبويٌّ ربّانيٌّ؛ لا ينبغي لمن سلكه أن يحيد عنه انقيادًا لهوى في نفسه والعياذ بالله وإلا صار إفساده أعظم مما يرجو من إصلاح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: " وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات أو المستحبّات لا بُدّ أن تكون المصلحةُ فيها راجحة على المفسدة. إذ بهذا بُعثتِ الرُّسُل، ونَزَلت الكُتُب. واللهُ لا يحبُ الفَسَاد، بل كلُّ ما أمَرَ الله به هو صلاح. وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين، والذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذمّ الفساد والمفسدين في غير موضع. فحيث كانت مفسدةُ الأمر والنهي أعظم من مصلحته، لم يكن مما أمر الله به، وإنْ كان قد تُرك واجبٌ وفُعِل مُحَرّم. إذ المؤمنُ عليه أن يتقي الله في عباد الله، وليس عليه هُداهم.."*.
   فعلى المُصلح أن يتجرد لا لنفسه ولا لهواه ولا لحزب ينتمي إليه؛ وإنما عليه أن يتجرد في عملية إصلاحه لله عزّ وجلّ، فيلتزم بالانقياد لنصوص الشرع، فمن التزم بذلك كان مُصْلحًا، وإن لم يلتزم؛ فقدَّم ما تمليه عليه نفسه وهواه وانتماءاته الحزبية كان ما يفسده أكثر مما يصلحه.

[ المُصلِح من لزم منهج الإصلاح الحقّ متجردًا عن الهوى ]

الإصلاح المشروع: التزامٌ بما يمليه الشرع مع التجرد عن الهوى، وإنّ مما يُؤسف له اليوم أن تجد من ينتسب لمنهج الإصلاح - بزعمه -؛ وهو في طريقته يحيد عنه بسبب الهوى - علم أو لم يعلم - وترك ما يقوم عليه المنهج الصحيح من وجوب إخلاص النية مع تمام الانقياد للأوامر الربّانيّة والتوجيهات النبويّة في طريقة الإصلاح. قال ابن تيمية - رحمه الله -: "فإنّ من الناس من يكون حبُّه وبغضُه وإرادتُه وكراهتُه بحسب محبَّتِه نفسَه وبغضِها لا بحسب محبَّةِ اللهِ ورسولِه، وبغضِ اللهِ ورسولِه، وهذا نوعٌ من الهوى، فإن اتبعه الإنسانُ فقد اتبع هواه: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50]، فإنَّ أصلَ الهوى محبةُ النفس، ويتبع ذلك بغضُها.
   والهوى نفسه - وهو الحب والبغض الذي في النفس – لا يُلامُ العبد عليه، فإنّ ذلك قد لا يملكه، وإنّما يُلام على اتّباعه كما قال تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26]. وقال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50]. وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (ثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، وكلمة الحق في الغضب والرضا. وثلاثٌ مهلكات: شحٌ مطاعٌ، وهوًى متبعٌ، وإعجاب المرء بنفسه)والحبُّ والبغض يتبعه ذوقٌ عند وجود المحبوب والمبغَض، ووَجْدٌ وإرادةٌ وغير ذلك، فمن اتّبع ذلك بغير أمر الله ورسوله فهو ممن اتّبع هواه بغير هدًى من الله، بل قد يتمادى  به الأمر إلى أن يتخذ إلهه هواه"**.

اتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات ]

   لا يختلف أحدنا أن المعصية بدافع هوى النفس وشهواتها من أجل حُطام الدنيا ولذّاتها الفانية هي ذنب عظيم لما فيها من انتهاك حُرمات الله عزّ وجلّ. ولكن ما يجب أن يعرفه الجميع أنّ الأعظم من ذلك هو التجرُّؤ على المنهج النبويّ الربّاني باسم الدِّين وباسم الإصلاح وباسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..؛ فالجُرم هنا متعدٍ ويمس الدّين والمعتقد. فتَقَرُّب العبد إلى الله بما لم يشرعه الله أو يشرعه رسوله، بل قد يكون مخالفًا للشرع انقيادًا لهوى في نفسه؛ إنه لخطر عظيم يُدخِل صاحبَه باب البدع والمحدثات في الدّين.
   قال ابن تيمية - رحمه الله -: "واتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات، فإنّ الأولَ حالُ الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين كما قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50] وقال تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ..} إلى أن قال: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الروم: 28، 29] وقال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 119]، وقال الله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77]. وقال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 120]. وقال تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 145]، وقال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49].
   ولهذا كان من خرج عن موجب الكتاب والسنة من المنسوبين إلى العلماء والعبَّاد يُجعل من أهل الأهواء كما كان السلف يسمُّونهم أهل الأهواء. وذلك أن كل من لم يتّبع العلم فقد اتّبع هواه، والعلم بالدين لا يكون إلا بهدى الله الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 119]، وقال في موضع آخر: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50].
   فالواجب على العبد أن ينظر في نفس حبه وبغضه، ومقدار حبه وبغضه: هل هو موافق لأمر الله ورسوله؟ وهو هدى الله الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، بحيث يكون مأمورًا بذلك الحب والبغض، لا يكون متقدمًا فيه بين يدي الله ورسوله؟ فإنه قد قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1].
   ومن أحب أو أبغض قبل أن يأمره الله ورسوله؛ ففيه نوع من التقدم بين يدي الله ورسوله. ومجرد الحب والبغض هو هوًى، لكن المحرَّم منه اتّباع حبه وبغضه بغير هدًى من الله ولهذا قال الله لنبيه داود: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [ص: 26]. فأخبر أن من اتّبع هواه أضلّه ذلك عن سبيل الله وهو هداه الذي بعث به رسوله وهو السبيل إليه"***.

[ الإصلاح منهجٌ توقيفيّ لا يقوم إلا على الإخلاص والمتابعة ]

   الإصلاح منهجٌ توقيفيٌ لا يقوم إلا على الإخلاص لله عزّ وجلّ واتباع طريقة النبيّ صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته، وكل ما خالف ذلك فليس من الإصلاح، بل الإصلاح بريء منه، قال ابن تيمية - رحمه الله -: "وتحقيق ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أوجب الأعمال وأفضلها وأحسنها وقد قال تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7]، وهو كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله: أخلصه وأصوبه. فإن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالصُ أن يكون لله، والصوابُ أن يكون على السُّنّة"***.

   فشرعُ الله عزّ وجلّ لم يدْعُ إلى الإصلاح بوسائلَ مفسدتُها أعظم من مصلحتها؛ ولم يدْعُ إلى الإصلاح بوسائلَ مرفوضةٌ شرعًا وعقلا، فإن ذلك من المَحال. فلم يكن يومًا التجرُّؤ على أصل من أصول الإسلام وهو الأمر بالاجتماع حول الإمام - الحاكم - المسلم؛ بتأجيج العامة وتأليب السفهاء عليهم.. لم يكن ذلك وسيلة من وسائل الإصلاح، بل عدّه الشرع وسيلة من وسائل الإفساد؛ وحذّر منها، وقد تظافرت نصوص الشرع بالأمر بالاجتماع حول الإمام المسلم ونبذ الفرقة والتحزّب؛ ولا ينكر ذلك إلا من خالج هواهُ نيَّته وخالجت نيَّته ما تمليه عليه انتماءاتُه الحزبية. وإنك لَتعجب ممن زعم الإصلاح من دعاة هذا الزمان كيف خالفوا هذا الأصل العظيم، انقيادا لما تمليه عليهم أهواؤهم وانتماﺀاتُهم الحزبية، فتراهم يتطاولون على الحُكام المسلمين، ويتجرؤون عليهم، بالطعن فيهم، وإظهار مثالبهم والتشهير بذلك أمام العامة ويرون أن ذلك وسيلة من وسائل الإصلاح -زعموا- فيفرّقون جماعة المسلمين، ويُضعفون دولة الإسلام، فيقدمونها لقمة سائغة مستساغة للأطماع الخارجية، بل والأدهى من ذلك والأمَرّ أنهم يستَعْدُون المنظمات المشبوهة بمسمى الحقوق والحريات!!نعوذ بالله من الهوى والضلال.

وفي ختام هذه الرسالة الموجزة أسأل الله عزّ وجلّ أن يوفقنا للإخلاص في القول والعمل، وأن يرزقنا اتباع شرعِه الحكيم وسنّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الإصلاح.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله رب العالمين

محبكم،
عبد الرحمن سلمان الحمادي
أبو ظبي، 7 شوال 1433هـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* المرجع: كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بتحقيق د. صلاح الدين المنجد، ط.1 1396هـ-1976م، دار الكتاب الجديد، ص 17.
** نفس المرجع، ص 23، 24.
*** نفس المرجع، ص 24-26.


الجمعة، 22 يونيو 2012

التذكير بالمأثور في أحكام زكاة التُّمور

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
ونحن نعيش هذه الأيام موسمًا ينتظره الناس، الصغير والكبير، والبدويّ والحضريّ، والكل يترقب اكتساء النخيل بأحد اللونين: الأحمر أو الأصفر، فيتنعم بنعمة أنعمها الله علينا جميعًا، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)} [يس: 34 - 35]، إنها لنعمة عظيمة نتنعم بها، فحُق لنا أن نعي واجبنا تجاهها، فنشكر الله عزّ وجلّ عليها، ونؤدي حقه سبحانه فيها، وإنّ من حق الله فيها إخراج زكاتها.
وبهذه المناسبة أُذّكر إخواني في هذه الوقفة اليسيرة مع أحكام زكاة التمور، أخصُّ بها من أنعم الله عليهم فامتلكوا النخيل، سواء كانت في بيوتهم أو في مزارعهم، فأقول وبالله التوفيق:

مشروعية زكاة التُّمور :

الزكاة ركن من أركان الإسلام، وهي قرينة الصلاة في القرآن، فهي من أعظم العبادات في الإسلام بعد الصلاة، والزكاة تجب في عدة أصناف وموارد ثبت وجوبها بأدلة الكتاب والسنة، وإن من أبرز أصنافها الواجبة: زكاة الزروع. قال سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فيما سقت الأنهار والغيم العشر، وفيما سقي بالسَّانية* نصف العُشر) رواه مسلم.
وقد انعقد الإجماع على وجوب الزكاة فيها، ومن تلك الأصناف وأبرزها: التُّمور.

نصاب زكاة التُّمور:

النصاب هنا هو أقل ما تجب فيه الزكاة من التّمر، وقد حدّدت السنة النبويّة نصاب الزروع عمومًا - والتمر منها- كما جاء في الحديث الصحيح: (ليس فيما دون خمسة أوسق** صدقة) والخمسة أوسق هي حجمٌ مقدَّرٌ وليس وزناً، ولكن من باب التيسير وتقريب العبادة على المسلمين فقد قُدِّر حجمها بالوزن؛ فتبلغ الخمسة أوسق بالوزن الحديث: [653] كيلو جراماً، هذا مع مراعاة أن يكون الحجم أو الوزن المقدر على التمر وليس على أصله - وهو الرطب - استنادًا إلى ما وردت به سنة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

وقت وجوب زكاة التّمور:

- زكاة التمر تجب مباشرة عند الحصاد:
لا يراعى الحول في زكاة الزروع، بل يراعى الموسم والمحصول لقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141]، فمتى ما حُصد المحصول وجبت الزكاة فيه، ولا تجب قبل ذلك إلا إذا قطف قبله لمصلحة؛ كأن يبيعه رُطَبًا.
- تقدير الزكاة يكون قبل الحصاد:
رغم أن الزكاة تجب عند الحصاد؛ إلا أنه على صاحب النخل قبل ذلك - عند بدء نضجها وبدو صلاحها - أن يراعي أن الزكاة تكون على جميع الثمر؛ فيحسب حسابه إذا ما تصرف بشيء منه قبل حصاده ويكون ذلك عن طريق الخرص، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبعث من يخرص على الناس نخلهم، أي: ينظر فيما حملته من الثمر – الرُّطَب- فيُقدّر بظنه ورأيه المبني على خبرته: كم ستُنتج النخيل من التمر؛ فيبني عليه كم ستكون زكاتها، ثم يدع النخل لأهلها يتصرفون فيها كيف شاءوا؛ دون أن يمسّوا مقدار الزكاة الذي حدده الخارص.
- هل تقدير الزكاة يكون على جميع ما حملته النخل؟
قرر كثير من أهل العلم أنه يُستثنى من الزكاة ما يستعمله صاحب النخل لنفسه وعياله وجيرانه وضيوفه؛ مستدلين بعموم الآية: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} حيث قالوا: الواجب ما كان وقت الحصاد لا ما قبله. كما استدلوا بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع) [رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي]، وفي حديث آخر: (خففوا على الناس في الخرص..) [ابن عبد البر في التمهيد من حديث جابر]، وكذلك ورد في معناه أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه [عند البيهقي وغيره]، ومع أنه في ثبوت الحديثين والأثر نظر لكنها بمجموعها تشد بعضها بعضاً، كما ذهب إليه النووي وابن الملقن وابن حجر. والعمل على ذلك عند أكثر أهل العلم كما ذكره أبو عيسى الترمذي عند تخريجه للحديث، فهو مشهور مذهب مالك والشافعي وقول أحمد والليث وغيرهم رحمهم الله.


مقدار الواجب في زكاة التّمور:

حددت سنّة النبي صلى الله عليه وسلم قدر الواجب في التّمور إذا كانت تبلغ النصاب، من ذلك حديث مسلم المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فيما سقت الأنهار والغيم العشر، وفيما سقي بالسَّانية نصف العُشر) وفي حديث آخر عند البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: (فيما سقت السماء والأنهار والعيون، أو كان بَعْلاً*** العُشر، وفيما سقي بالسواني، أو النضح: نصف العُشر). ويتبين من الحديثين اختلاف مقدار الواجب في زكاة التّمر بحسب الجهد المبذول في الري على النحو الآتي:
1. في حالة الري دون تكلفة يكون الواجب هو العُشر ( 10 % ).
2. إذا سُقي بآلة وكُلفة ففيه نصف العُشر ( 5 % ).
3. إذا سُقي بهما مناصفة ففيه ثلاثة أرباع العُشر (7.5 % ) كما قرره أهل العلم.
4. إذا سُقي بأحدهما أكثر اعتبر أكثرها فوجبت الزكاة بمقتضاه.
5. إذا جُهل المقدار الذي سُقي به وجب العشر لأنه المتيقن.
وبالاطلاع على حال أكثر مزارع النخيل في واقعنا اليوم، نجد أكثرها إن لم تكن غالبها تقوم على الري بكلفة من صاحبها؛ فينطبق عليها البند الثاني في قدر الواجب وهو نصف العُشُر ( 5 % ).
ومن خلال ما تقدم تتبين حكمة الله عزّ وجلّ وتتجلى في أنه سبحانه خفف الزكاة على المتكلف في ريّها وجعل زكاته على النصف من زكاة من لم يتكلف في زرعه، ومن هنا ننبه على من لديه عُمّالاً وتكاليف تشغيلية للمزرعة فإنه لا يخصمها من عائد محصوله ثم يزكي ما بقي؛ لأنه روعي في القدر الواجب حيث صارت زكاته بقدر نصف العٌشر بدلاً من العُشر، وهذه مسألة يغفل عنها البعض فوجب التنبيه.

مسائل مهمة:

1. إذا تفاوت التمر رداءة وجودة فإن الزكاة تُؤخذ من أوسطه فما فوق، ولا تؤخذ مما دون الوسط. والدليل على ذلك في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267] أي: اقصدوا في نفقتكم الطيب الذي تحبونه لأنفسكم، ولا تيمموا الرديء الذي لا ترغبونه ولا تأخذونه إلا على وجه الإغماض والمسامحة واعلموا أن الله غني عنكم، ونفع صدقاتكم وأعمالكم عائد إليكم.
2. إذا اختلفت أراضي النخيل وتعددت، فإن صاحبها يجمع ما أنتجته جميع أراضيه ويضمها إلى بعض في حساب زكاتها، مع مراعاة أن ما تنتجه النخيل في البيوت والمساكن داخلة في حساب الزكاة طالما كانت تبلغ النصاب لوحدها أو بضمها إلى نخيل صاحبها في مزارعه التي يمتلكها.
3. الأصل أن يُخرج المزارعُ زكاة نخله تمرًا وهذا هو رأي الجمهور استنادًا إلى ما وردت به سُنّة النبي صلى الله عليه وسلم وما جرى عليه العمل بعد ذلك، غير أن مذهب السادة الحنفية يرى جواز إخراج القيمة، وذلك بأن يحسب كمية الواجب من المحصول، ثم يقدر قيمتها بالسوق ويخرجها نقداً. والراجح والله أعلم ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، مع مراعاة أنه إذا لم يجد صاحب الزرع من يأخذ زكاته تمرًا أو تعذر عليه إخراجها تمرًا فلا حرج من إخراج القيمة بدل التمر، والله تعالى أعلم.

هذا ما تيسر تلخيصه في هذه الوقفة السريعة مع زكاة التمور، واللهَ أسأل أن ينفع بها.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

محبكم
عبد الرحمن سلمان الحمّادي
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
في رحاب مكة المكرمة بجوار بيت الله الحرام
عصر يوم الجمعة 3 شعبان 1433هـ الموافق 22/06/2012م


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* السانية: هي ما يُسقى عليه الزرع من بعير وغيره.
** الوسق: هو حِمْلُ البعير، وهو ستون صاعاً بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، والخمسة أوسق ثلاثمائة صاع، وحيث إن الصاع يزن (2.1766 كجم) على رأي الجمهور، فإن زنة الخمسة أوسق بالكيلو جرام تساوي: ( 653 كجم ).
*** البعل: هو الزرع الذي يشرب بعروقه ولا يحتاج إلى ماء.